في عرض جديد لوقائع ظلت بلا تفسير رسمي، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن خيوط تربط هجمات غامضة استهدفت قوارب صيد إكوادورية قرب جزر غالاباغوس ببرنامج سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه». ووفق التحقيق، جرى تنفيذ العمليات بموجب تفويض من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بينما لم تعلن واشنطن مسؤوليتها عنها.
اقرأ أيضاً:مصافي عدن.. لماذا بقيت منشأة عمرها 70 عامًا معطلة؟
ونقلت الصحيفة عن شخص مطلع على الملف أن البرنامج يصنف ضمن «العمليات السرية» التي يوافق عليها الرئيس الأميركي، ولا تعلن الحكومة عادةً مشاركتها فيها. ورفضت «سي آي إيه» التعليق على المعلومات الواردة في التحقيق.
تعرضت عدة سفن صيد إكوادورية لهجمات خلال العام الجاري، وقال ناجون إن طائرات مسيّرة رباعية المراوح ألقت ذخائر على القوارب أو اصطدمت بها وانفجرت.
وتبرز سفينة الصيد «فيوريلا» باعتبارها أكثر الوقائع غموضًا، إذ اختفت في 20 يناير/كانون الثاني 2026 وعلى متنها 8 إكوادوريين، ولا يزال مصيرهم مجهولًا. وفقدت السفينة إشارة التتبع بعد ظهر ذلك اليوم أثناء وجودها في مياه دولية قرب الممر البحري بين المنطقتين الاقتصاديتين الخالصتين لإكوادور وجزر غالاباغوس.
قبل انقطاع الاتصال، تحدث أفراد من طاقم «فيوريلا» عن تحليق طائرات ومسيّرات بالقرب منها، إلى جانب اقتراب سفينة دورية قيل إنها تحمل العلم الأميركي. ولم تتضح حتى الآن ملابسات اختفاء المركب وطاقمه.
اقرأ أيضاً:روسيا تشن هجوماً واسعاً بـ133 مسيّرة على أوكرانيا
وفي مارس/آذار، تعرض طاقما سفينتي «نيغرا فرانسيسكا دوارتي الثانية» و*«دون ماكا»* لهجمات منفصلة بمسيّرات. ونجا أفراد الطاقمين، لكنهم قالوا إن رجالًا مسلحين احتجزوهم بعد صعودهم إلى سفينة قريبة، وغطوا رؤوسهم وقيّدوهم، قبل نقلهم إلى السلفادور ثم إعادتهم إلى الإكوادور لاحقًا.
وبحسب تحقيقات حقوقية مستقلة، أصيب ما لا يقل عن أربعة من أفراد الطاقمين بجروح خطيرة، بينما نفت وزارة الدفاع الأميركية وخفر السواحل الأميركي أي مسؤولية أو معرفة مسبقة بالوقائع.
كما راجع تحقيق «واشنطن بوست» بيانات تتبع الطيران والسفن، وأظهرت تحرك طائرة استطلاع متطورة من طراز «سيسنا سايشن لونجيتيود» من السلفادور باتجاه مناطق وجود سفن الصيد في أيام الهجمات والفترات السابقة لها.
كانت الطائرة تعمل من مطار إيلوبانغو الدولي قرب سان سلفادور، وهو موقع ارتبط خلال ثمانينيات القرن الماضي بعمليات أميركية سرية في أميركا الوسطى.
وأظهرت بيانات الاتصالات استخدام الطائرة رقم تسجيل أميركيًا لا توجد له حاليًا طائرة مسجلة بهذا الرقم لدى إدارة الطيران الفيدرالية. وكان الرقم محجوزًا باسم شركة لا يظهر لها نشاط واضح على الإنترنت، فيما استخدمت الشركة صندوق بريد داخل متجر تابع لـ«يو بي إس» في ولاية فرجينيا عنوانًا لها.
وأظهرت صور الطائرة تجهيزها بمعدات متخصصة للمراقبة والرادار، ما عزز التساؤلات بشأن الجهة التي كانت تدير مهام الاستطلاع في المنطقة.
ولا تزال مشاركة جهات أخرى في البرنامج غير واضحة، سواء متعاقدين خاصين أو أجهزة تابعة لدول أخرى، فيما رفض أعضاء في لجان الاستخبارات بالكونغرس التعليق على ما كشفه التحقيق.
تزامن ذلك مع حملة أميركية أوسع لمكافحة تهريب المخدرات في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، تستهدف خلالها واشنطن قوارب تقول إنها مرتبطة بنقل المخدرات.
لكن الصحيفة ميزت بين الحملة العسكرية العلنية التي تقودها وزارة الحرب الأميركية، والبرنامج السري المنسوب إلى «سي آي إيه»، ما يفتح باب التساؤلات حول طبيعة العمليات التي استهدفت قوارب الصيد الإكوادورية والجهة التي أصدرت الأوامر بتنفيذها.
وكانت الوقائع قد دفعت خلال الأشهر الماضية إلى مطالب بإجراء تحقيقات مستقلة، خصوصًا بعد إفادات ناجين تحدثوا عن مهاجمين يتحدثون الإنجليزية، وعن احتجازهم ونقلهم إلى السلفادور.
وأظهرت تحقيقات حقوقية أن طواقم السفن الثلاث كانت تعمل في رحلات صيد، ولم تثبت الأدلة المتاحة ارتباط أفرادها بتهريب المخدرات. كما بينت مراجعة للسجلات الجنائية أن 4 فقط من أصل 46 رجلًا من أفراد الطواقم كانت لديهم سوابق، ولم تكن أي منها مرتبطة بجرائم عنيفة أو تهريب المخدرات.
أثارت الهجمات تساؤلات قانونية بشأن استخدام القوة ضد سفن مدنية في المياه الدولية، وسط مطالبات منظمات حقوقية للسلطات الأميركية والإكوادورية بالكشف عن الأساس القانوني للعمليات المشتركة، ونشر المعلومات المتعلقة باستخدام القوة والتحقيق في أي دور محتمل للقوات أو الأجهزة الأميركية.
يبقى مصير أفراد طاقم «فيوريلا» الثمانية المفقودين أبرز جوانب القضية، في ظل عدم معرفة ما حدث للسفينة بعد انقطاع الاتصال بها، وشهادات الناجين من الحوادث الأخرى التي تحدثت عن مراقبة جوية وبحرية سبقت الهجمات.
ومع توسع إدارة ترامب في استخدام القوة ضمن عمليات مكافحة تهريب المخدرات خارج الأراضي الأميركية، يتجدد الجدل بشأن حدود العمليات الاستخباراتية السرية، وآليات الرقابة عليها، ومدى خضوعها للمساءلة القانونية والكونغرسية.
ويبقى السؤال الأبرز الذي يطرحه التحقيق: هل كانت الهجمات جزءًا من حملة مكافحة المخدرات المعروفة، أم نُفذت ضمن برنامج استخباراتي منفصل؟ لا تزال الحكومة الأميركية تلتزم الصمت حيال هذه النقطة، بينما يظل مصير الصيادين الإكوادوريين الثمانية مجهولًا.