أعاد البيان الذي أصدره وكيل حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، المحامي وسيم الغاوي، فتح النقاش حول الشكوى المقدمة من مصرف لبنان، بعدما عرض مجموعة من النقاط التي اعتبرها عناصر دفاعية لمصلحة موكله، في حين بقيت مسائل مرتبطة بجوهر القضية موضع بحث.
اقرأ أيضاً:تصعيد نقابي في لبنان: موظفو الإدارة العامة يهددون بالإضراب المفتوح
ركز البيان على خمسة محاور، شملت تنازل سلامة عن تقديم دفوع شكلية بهدف تسريع التحقيق، ووضعه الصحي، وطبيعة القرارات الصادرة عن المجلس المركزي لمصرف لبنان، واسترداد قيمة القرض وتحقيق أرباح بقيمة 33 مليون دولار، إضافة إلى التأكيد أن التوقيف الاحتياطي لا يمثل دليلاً على الإدانة.
جاءت هذه المواقف بعد جلسة استجواب سلامة في 12 أغسطس/آب 2026، في الشكوى التي تقدم بها مصرف لبنان، والتي ادعى فيها النائب العام الاستئنافي في بيروت، وفق ما ورد في بيان الدفاع، بجرائم اختلاس أموال مصرف لبنان وتأسيس شركات وهمية.
وأوضح الغاوي أن موكله اختار التنازل طوعاً عن حقه القانوني في تقديم دفوع شكلية، رغم وجودها وجديتها وكثرتها، بهدف تسريع إجراءات التقاضي والوصول إلى الحقيقة، مؤكداً أن سلامة تجاوز ظروفه الصحية الصعبة للمثول أمام القضاء.
لكن التخلي عن دفوع إجرائية يظل خياراً قانونياً متاحاً لأي مدعى عليه، ولا يشكل في حد ذاته دليلاً على انتفاء المسؤولية، كما أن اللجوء إليها لا يعني ثبوت الإدانة أو وجود رغبة في إطالة المسار القضائي.
ويطرح ذلك تساؤلاً حول طبيعة الدفوع التي تحدث عنها الدفاع، والأسس القانونية التي يستند إليها، وما إذا كانت ستُعرض لاحقاً أمام المرجع القضائي المختص.
وفي ما يتعلق بالوضع الصحي، انتقد الغاوي ما وصفه باهتمام بعض وسائل الإعلام بحالة سلامة الصحية، مشيراً إلى أن موكله حضر جلسة الاستجواب رغم ظروفه.
يبقى تقييم القدرة الطبية على المثول أمام القضاء أو الاستمرار في التوقيف من اختصاص الأطباء والجهات القضائية، استناداً إلى التقارير الطبية الرسمية، وليس إلى السجالات الإعلامية.
استمر الاستجواب الثاني لسلامة في هذا الملف أكثر من ثلاث ساعات، وفق بيان وكيله، الذي أكد أن موكله قدم خلال الجلسة ما يراه دفاعاً عن موقفه.
انتقل البيان بعد ذلك إلى مسألة القرارات التي اتخذها مصرف لبنان خلال فترة تولي سلامة منصب الحاكم، مؤكداً أن أي قرار أو تعميم لم يكن يصدر عنه بصورة منفردة، وإنما بناءً على قرارات المجلس المركزي، وأن الحاكم ملزم بتنفيذها.
وأشار الغاوي إلى أن قرار منح القرض موضوع الدعوى صدر عن المجلس المركزي، معتبراً أن ذلك يدخل ضمن مهامه في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي خلال الأزمة المالية العالمية عام 2010.
غير أن صدور القرار عن المجلس المركزي لا يحسم تلقائياً مسؤولية الأشخاص الذين شاركوا في العملية، إذ يبقى تحديد الأدوار الفردية مسألة أساسية أمام القضاء.
وتشمل الأسئلة المطروحة معرفة الجهة التي اقترحت العملية، والمعلومات التي عُرضت على أعضاء المجلس، وطريقة اتخاذ القرار، والجهات التي تولت التنفيذ والتوقيع، إضافة إلى هوية المستفيدين الفعليين ومدى معرفة الأطراف بالمخاطر والنتائج المحتملة.
ويؤكد الدفاع أن حاكم مصرف لبنان لم يكن صاحب قرار منفرد في هذه العملية، إلا أن صلاحيات الحاكم تشمل إدارة المصرف وتمثيله وتنفيذ قرارات مجلسه المركزي، وهو ما يجعل تحديد دوره الفعلي في العملية جزءاً من المسار القضائي.
أما الجانب المالي، فيتمسك الغاوي بأن مصرف لبنان استرد كامل قيمة القرض، وحقق أرباحاً وصلت إلى 33 مليون دولار أميركي.
كما يرى الدفاع أن هذه النتيجة تنفي وجود اختلاس أو ضرر لحق بالمصرف، إلا أن تقييم قانونية العملية لا يتوقف فقط على عودة أصل المال أو تحقيق عائد.
وتشمل المسائل التي تحتاج إلى التحقق مصدر الأموال، والأساس القانوني لمنح القرض، والجهة التي حصلت عليه، والشركات التي استخدمت في العملية، والمستفيد الاقتصادي الحقيقي، وشروط التمويل، ومدى تناسب العائد مع مدة القرض والمخاطر، إضافة إلى مدى الالتزام بقواعد السوق والإفصاح والرقابة.
ويشير بيان الوكيل إلى أن النتيجة النهائية للعملية تمثلت في استرداد كامل قيمة القرض وتحقيق ربح للمصرف، بينما يبقى للقضاء تحديد ما إذا كانت طريقة إنشاء العملية وتنفيذها قد التزمت بالقواعد القانونية والمالية.
كذلك نفى الغاوي تأسيس أي شركة وهمية، مؤكداً أن الاستجواب لم يثبت وجود مثل هذه الشركات.
لكن حسم هذه المسألة يتطلب فحص السجلات التجارية والمالية، والتحقق من النشاط الفعلي للشركات، وملكية الأسهم، والمستفيدين الحقيقيين، والحسابات المصرفية، والعقود، ومسار التحويلات المالية المرتبطة بالعملية.
وفي ما يتعلق بمذكرة التوقيف، أكد الدفاع أن قاضي التحقيق قرر إصدارها بحق سلامة رغم استرداد مصرف لبنان كامل قيمة القرض وتحقيق أرباح، معتبراً أن الإجراء غير مبرر.
كذلك شدد الغاوي على أن التوقيف الاحتياطي ليس عقوبة ولا دليلاً على الإدانة، وأن موكله يتمتع بقرينة البراءة، موضحاً أن مذكرة التوقيف أصبحت موضع طعن أمام الهيئة الاتهامية في بيروت وفق الأصول.
وتبقى قرينة البراءة مبدأً قانونياً قائماً إلى حين صدور حكم نهائي، في حين يملك القضاء صلاحية اتخاذ إجراءات احترازية وفق الشروط التي يحددها القانون، كما يبقى الطعن في مذكرة التوقيف خاضعاً لقرار الهيئة الاتهامية.
وكان الغاوي قد أكد أن سلامة خضع للاستجواب للمرة الثانية في الملف لأكثر من ثلاث ساعات، وأن الجلسة، من وجهة نظر الدفاع، أظهرت عدم وجود اختلاس أو ضرر بمصرف لبنان، فضلاً عن عدم ثبوت تأسيس شركات وهمية.
في المقابل، فإن إصدار مذكرة التوقيف لا يعني صدور حكم بالإدانة، كما أن نفي الاتهامات الواردة في الشكوى لا يحسمها بيان الدفاع، إذ يعود الفصل في الوقائع والأدلة إلى القضاء.
يتركز جوهر القضية في مجموعة من الأسئلة المالية والقانونية: كيف مُنح القرض؟ ومن اقترحه؟ ومن وافق عليه؟ ومن نفذه؟ وإلى أي جهات وصلت الأموال؟ ومن المستفيد الاقتصادي الفعلي؟ وهل جرت العملية وفق القوانين والأنظمة وقواعد الرقابة والإفصاح؟
وتبقى الإجابات عن هذه المسائل مرتبطة بما سيكشفه التحقيق من مستندات وبيانات مالية وسجلات الشركات والتحويلات، إضافة إلى القرارات التي ستصدر عن الجهات القضائية المختصة.
في المقابل، يتمسك دفاع رياض سلامة بروايته القائلة إن العملية أقرها المجلس المركزي، وإن مصرف لبنان استرد كامل قيمة القرض وحقق ربحاً قدره 33 مليون دولار، وإن موكله لا يتحمل مسؤولية جنائية، فيما يواصل القضاء بحث الوقائع التي تقوم عليها الشكوى.