تدخل العلاقات المصرية التركية مرحلة جديدة تتجاوز تحسين العلاقات الثنائية إلى بناء تعاون أوسع في الاقتصاد والدفاع والقضايا الإقليمية، مع إعلان القاهرة وأنقرة استهداف رفع التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار، بالتزامن مع تعزيز التدريبات العسكرية والتنسيق بشأن أزمات غزة والسودان وليبيا وسوريا والصومال وأمن الممرات البحرية.
اقرأ أيضاً:بعد الضربات المتبادلة.. بغداد والرياض تبحثان التهدئة
جاء ذلك خلال زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى مصر لمدة يومين، وإجرائه مباحثات مع نظيره المصري بدر عبد العاطي، تناولت مستقبل العلاقات بين البلدين والتطورات المتسارعة في المنطقة.
التجارة والاستثمارات في صدارة العلاقات الثنائية
قال عبد العاطي إن حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا بلغ نحو 9 مليارات دولار، مشيرًا إلى رغبة البلدين في رفعه إلى 15 مليار دولار خلال الفترة المقبلة.
رحبت القاهرة بزيادة الاستثمارات التركية وإقامة مشروعات مشتركة، مع التركيز على قطاعات الطاقة والنقل والبترول والتعدين والخدمات اللوجستية.
شهدت العلاقات الاقتصادية بين الجانبين نموًا خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع تطور حركة السياحة بين البلدين، ما يوفر قاعدة اقتصادية يمكن البناء عليها لتوسيع الشراكة.
التعاون العسكري يتقدم
أكد فيدان أن العلاقات المصرية التركية وصلت إلى «مستوى مرتفع للغاية»، مشيرًا إلى أن التعاون الاقتصادي يترافق مع تطور في المجال العسكري والتدريبات المشتركة.
يرى الوزير التركي أن الموقع الجغرافي والتاريخي لمصر وتركيا يمنحهما مسؤولية مشتركة في تعزيز التعاون بمجالات الدفاع والنقل والقطاع البحري.
ويعكس إدخال الملف العسكري إلى صلب العلاقات الثنائية اتساع نطاق المصالح المشتركة، خصوصًا في ظل التوترات الأمنية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
اتفاق مكة أمام الحسابات المصرية
ناقش الوزيران كذلك اتفاق مكة للدفاع المشترك الموقع بين تركيا وباكستان والسعودية في 7 أغسطس/آب الجاري.
قال عبد العاطي إن مصر تتمتع بعلاقات متميزة مع الدول الثلاث، وإن لديها تفاهمات مع دول المنطقة بشأن المبادرات العسكرية في البحر الأحمر، لكنه أوضح أن أي قرار مصري سيأخذ في الاعتبار الأطر الدستورية والقانونية.
اقرأ أيضاً:المغرب يرفع التأهب الأمني بعد تجدد دعوات العبور إلى سبتة
من جانبه، وصف فيدان الاتفاق بأنه «تاريخي للمنطقة»، مؤكدًا أنه لا يستهدف أي طرف، وأنه جاء نتيجة توافق بين دول المنطقة بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
وأعلنت وزارة الدفاع التركية أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية، ولا يحدد دولة باعتبارها عدوًا مشتركًا، كما أنه لا يشكل بديلًا عن حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وأوضحت أن الهدف يتمثل في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، وتطوير التعاون العسكري بين الدول الثلاث، وتعزيز قدرتها على التحرك المشترك في مواجهة الأزمات المحتملة.
أبدى فيدان أمله في مشاركة مصر مستقبلًا في اتفاق مكة، في خطوة من شأنها توسيع نطاق الإطار الدفاعي الإقليمي، بينما لا تزال القاهرة تدرس المسألة ولم تعلن موقفًا نهائيًا بشأن الانضمام.
غزة في قلب المباحثات
احتل الوضع في غزة جانبًا رئيسيًا من المحادثات، إذ أدان عبد العاطي الانتهاكات الإسرائيلية في القطاع والضفة الغربية، إلى جانب التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
شدد الوزير المصري على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا، كما دعا إلى تطبيق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة، مشيرًا إلى أن الفصائل الفلسطينية اتخذت خطوات إيجابية تجاهها.
ويمثل الملف الفلسطيني مجالًا مهمًا للتنسيق بين القاهرة وأنقرة، في ظل الدور المصري في جهود الوساطة والتهدئة، والموقف التركي الداعم للقضية الفلسطينية.
توافق بشأن الحرب في السودان
اتفق الوزيران على ضرورة وقف الحرب في السودان، ودعم مسار سياسي يقوم على الحوار والحلول السلمية، مع الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها الوطنية.
وأكد عبد العاطي أنه «لا يمكن مساواة الجيش السوداني ومؤسسات الدولة بأي مليشيا»، محذرًا من أن تهريب الأسلحة إلى الجماعات المسلحة يؤدي إلى زيادة التصعيد.
ويعكس هذا الموقف تقاربًا في رؤية البلدين بشأن ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع تفكك البلاد.
ليبيا.. دعم الحل الداخلي
في الملف الليبي، اتفق الطرفان على تعزيز الحل «الليبي-الليبي»، وتوحيد المؤسسات، وإجراء الانتخابات، إلى جانب خروج المقاتلين الأجانب.
ويأتي هذا التوافق بعد سنوات شهدت اختلافًا بين القاهرة وأنقرة بشأن أطراف الأزمة الليبية، ما يجعل التقارب الحالي مؤشرًا على رغبة البلدين في إدارة خلافاتهما وتنسيق مصالحهما بصورة أكبر.
موقف مشترك بشأن سوريا والصومال
أكدت القاهرة أهمية الحفاظ على وحدة سوريا، في حين ناقش الجانبان التطورات المتعلقة بالوضع السوري والتدخلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
كما رفضت مصر وتركيا مخططات تقسيم الصومال، في تأكيد على دعم وحدة الدول وسلامة أراضيها.
وتشير هذه المواقف إلى اتساع نطاق التنسيق المصري التركي ليشمل ملفات تتجاوز الجوار المباشر للبلدين، وصولًا إلى القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
مضيق هرمز وأمن الممرات البحرية
قال فيدان إن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة سيكون له تأثير إيجابي على المنطقة، مشيرًا إلى أن ذلك قد يساهم في إعادة فتح مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة إلى طبيعتها.
وتكتسب قضية أمن الممرات البحرية أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر وتركيا، في ظل ارتباط مصالحهما بحركة التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط.
كما أن التعاون في النقل والقطاع البحري يمثل أحد المجالات التي تسعى القاهرة وأنقرة إلى تطويرها ضمن مسار العلاقات الاقتصادية الجديدة.
محمد صلاح.. حضور شعبي للعلاقات
تطرق فيدان خلال حديثه إلى وصول النجم المصري محمد صلاح إلى تركيا، معتبرًا أن وجوده هناك يعكس عمق الروابط بين الشعبين.
وتعكس الإشارة إلى النجم المصري جانبًا آخر من التقارب، إذ لا يقتصر التواصل بين البلدين على المسؤولين والمؤسسات، بل يمتد إلى المجالات الرياضية والسياحية والشعبية.
علاقات تتجه نحو شراكة أوسع
تكشف نتائج مباحثات العلمين عن تحول تدريجي في طبيعة العلاقات المصرية التركية، من معالجة الملفات الثنائية إلى بناء شراكة متعددة المسارات.
فالهدف التجاري البالغ 15 مليار دولار يأتي إلى جانب زيادة الاستثمارات والتعاون في الطاقة والنقل والسياحة، بينما يتقدم التنسيق العسكري والتدريبات المشتركة على أجندة العلاقات.
سياسيًا، يتقاطع البلدان في عدد من الملفات، أبرزها غزة والسودان وليبيا وسوريا والصومال، مع استمرار المشاورات بشأن أمن البحر الأحمر واتفاق مكة للدفاع المشترك.
ورغم أن القاهرة لم تحسم موقفها من المشاركة في اتفاق مكة، فإن مستوى التنسيق الحالي يشير إلى رغبة مشتركة في تعزيز التواصل بشأن القضايا الأمنية والاقتصادية التي تمس مصالح البلدين.
ويضع هذا المسار القاهرة وأنقرة أمام فرصة لتحويل التقارب السياسي إلى شراكة أكثر استقرارًا، خصوصًا أن البلدين يمتلكان ثقلًا اقتصاديًا وعسكريًا وجغرافيًا مؤثرًا في المنطقة.
يبقى نجاح هذا التوجه مرتبطًا بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات إلى مشروعات واستثمارات فعلية، وزيادة حجم التجارة، إلى جانب تطوير آليات تنسيق مستدامة في ملفات الأمن الإقليمي والأزمات التي تتقاطع فيها مصالحهما.