تسعى بغداد والرياض إلى احتواء التوتر الأمني بينهما عبر محادثات مباشرة في العاصمة السعودية، بعدما أدى تصعيد مرتبط بهجمات بطائرات مسيّرة وضربات استهدفت مواقع داخل العراق إلى رفع المخاوف من اتساع الخلاف بين البلدين.
يحمل الوفد العراقي ملفات أمنية وعسكرية متعددة، في مقدمتها منع استخدام الأراضي والأجواء العراقية لتنفيذ عمليات ضد السعودية، مقابل تأكيد بغداد رفضها لأي أعمال عسكرية تطال أراضيها.
تجري التحركات في وقت تعمل فيه الحكومة العراقية على إعادة ضبط العلاقة مع الرياض، تمهيدًا لاستئناف الاتصالات على مستوى القيادة، بعد تأجيل رحلة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى المملكة على خلفية التطورات الأخيرة.
مباحثات أمنية في الرياض
يجري وفد أمني عراقي رفيع المستوى، الخميس، محادثات مع مسؤولين سعوديين في الرياض، في أول زيارة معلنة لمسؤولين أمنيين عراقيين إلى المملكة منذ تلقي رئيس الوزراء علي الزيدي دعوة جديدة لزيارة العاصمة السعودية.
يرأس الوفد الفريق عبد الأمير الشمري، ويضم مساعد وكالة الاستخبارات الفريق فلاح شغاتي، ورئيس جهاز المخابرات الوطني حميد الشطري، وقائد الدفاع الجوي الفريق مهند الأسدي، ورئيس جهاز مكافحة الإرهاب الفريق الركن زيد حوشي.
تكتسب الخطوة أهمية خاصة بعد تأجيل رحلة سابقة لرئيس الوزراء العراقي إثر الضربات الأميركية والسعودية التي استهدفت مواقع داخل العراق في 29 يوليو/تموز، وأسفرت عن مقتل 20 شخصًا في مقار تابعة لهيئة الحشد الشعبي.
الهجمات المسيّرة في صدارة النقاش
قالت وزارة الدفاع السعودية إن اللقاء تناول العلاقات العسكرية والدفاعية بين البلدين، إلى جانب التطورات الإقليمية، مع التأكيد على مواصلة التعاون بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم أمن المنطقة واستقرارها.
أفادت مصادر أمنية عراقية لوسائل إعلام بأن المحادثات تركز على الطائرات المسيّرة التي تقول الرياض إنها انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت مواقع ومنشآت داخل المملكة.
تتناول المناقشات كذلك تداعيات الغارات الجوية التي طاولت مواقع داخل العراق وأوقعت قتلى وجرحى في صفوف الحشد الشعبي.
ذكرت المصادر أن الجانب السعودي عرض معلومات وأدلة بشأن هجمات انطلقت من الأراضي العراقية، مشيرة إلى أن الواقعة لم تكن الأولى من نوعها.
قدم الجانب العراقي شرحًا للإجراءات التي اتخذتها بغداد لمنع تكرار هذه العمليات، إلى جانب ملاحقة الجهات التي قد تستغل الأراضي أو المجال الجوي العراقي لتنفيذ اعتداءات على دول الجوار.
تنسيق استخباري وضبط الحدود
تبحث الاجتماعات تعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية في البلدين، مع التركيز على تبادل البيانات المتعلقة بالتهديدات المحتملة.
تشمل الملفات ضبط الحدود، ومراقبة المجال الجوي، وتعقب الجهات التي تمتلك أو تستخدم الطائرات المسيّرة، فضلًا عن متابعة التطورات الأمنية المتسارعة وانعكاساتها على العراق والسعودية وبقية دول المنطقة.
تعكس مشاركة قيادات من الاستخبارات والمخابرات والدفاع الجوي ومكافحة الإرهاب أهمية الملفات المطروحة، خصوصًا ما يتعلق بمصادر المسيّرات ومساراتها والجهات التي تقف وراء استخدامها.
بداية التصعيد
تصاعد التوتر بين بغداد والرياض في 27 يوليو/تموز، بعدما أعلنت وزارة الدفاع السعودية اعتراض وتدمير عدد من الطائرات المسيّرة، وقالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية ومنطقة الرياض.
بعد يومين، تعرضت مواقع تابعة للحشد الشعبي داخل العراق لضربات جوية، وفق ما أعلنته الرياض والجهات العراقية المعنية، وأسفرت العملية عن مقتل 20 شخصًا.
رفعت التطورات مستوى التوتر بين البلدين، خصوصًا مع الخلاف بشأن مسؤولية حماية الأراضي العراقية ومنع استخدامها لتنفيذ عمليات ضد دول الجوار.
بغداد ترفض استخدام أراضيها
يسعى الوفد العراقي إلى تثبيت موقف بغداد القائم على مسارين متوازيين؛ الأول الالتزام بمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية لتنفيذ هجمات ضد السعودية أو غيرها من دول المنطقة، والثاني رفض أي ضربات عسكرية تستهدف الأراضي العراقية.
قال عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية ياسر وتوت إن الزيارة تأتي في توقيت حساس، معتبرًا أن الحوار المباشر يمكن أن يساعد في معالجة تداعيات العمليات المنسوبة إلى الأراضي العراقية، إلى جانب بحث الضربات التي طاولت مواقع داخل البلاد.
أكد أن العراق حريص على إقامة علاقات متوازنة مع جميع دول الجوار، ولا يمكن أن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه لتنفيذ عمليات ضد دولة أخرى.
شدد وتوت في الوقت نفسه على أن حماية السيادة العراقية ومنع تكرار الاعتداءات على الأراضي الوطنية يمثلان مسؤولية أساسية للدولة.
الانتقال إلى التنسيق
يرى وتوت أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من تبادل الاتهامات والرسائل إلى تعاون أمني عملي، عبر وضع آليات واضحة للتعامل مع أي معلومات بشأن تهديدات أو عمليات إطلاق من داخل العراق.
وأوضح أن هذا النهج يمكن أن يسهم في حماية أمن السعودية، مع الحفاظ على سيادة العراق ومنع تعرض أراضيه لضربات جديدة.
أكد أن بلاده لا تريد أن تتحول إلى ساحة للصراع الإقليمي أو منصة لتنفيذ عمليات ضد دول المنطقة، كما ترفض استخدام أراضيها هدفًا لردود عسكرية من أي طرف.
زيارة رئيس الوزراء معلقة
لا يزال موعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الرياض غير محدد، وفق المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي.
كان مقررًا أن يصل الزيدي إلى العاصمة السعودية في 30 يوليو/تموز، لكن الرحلة تأجلت على خلفية التصعيد الأمني والتطورات الإقليمية.
جاء التأجيل بعد إعلان السعودية اعتراض طائرات مسيّرة قالت إنها انطلقت من العراق واستهدفت منشآت في المملكة، قبل الضربات التي طاولت مواقع للحشد الشعبي داخل الأراضي العراقية.
مسار لاحتواء الأزمة
تحاول بغداد عبر المحادثات الحالية الفصل بين التزامها بمنع أي نشاط عسكري ينطلق من أراضيها وبين رفضها للضربات الخارجية داخل حدودها.
تركز اللقاءات على بناء قنوات اتصال مباشرة بين المؤسسات الأمنية، وتبادل المعلومات، وتعزيز مراقبة الحدود والمجال الجوي، بما يقلل فرص تكرار الهجمات والتصعيد المتبادل.
قد تشكل نتائج اجتماعات الرياض اختبارًا لقدرة العراق والسعودية على تجاوز تداعيات المواجهة الأخيرة، والانتقال إلى مستوى أكثر انتظامًا من التعاون الأمني والاستخباري يحفظ أمن البلدين ويحد من انعكاسات
الصراع الإقليمي عليهما.