عقارات بمليارات مهدرة.. كيف نُهبت أوقاف سوريا في عهد الأسد؟

2026.08.13 - 21:36
Facebook Share
طباعة

كشفت مراجعات لملفات الأوقاف في سوريا عن عقود من التعديات التي طالت العقارات والأراضي الوقفية خلال فترة حكم نظام الأسد، وسط اتهامات بتحويل أصول يفترض أن تمول التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية إلى موارد تستفيد منها جهات نافذة وشبكات مرتبطة بالنظام.

اقرأ أيضاً:إفراجات من سجن حسياء وملفات آلاف الموقوفين قيد المراجعة

وتناول وثائقي نشرته منصة «سوريا الآن» مسار الأوقاف السورية من حقبة حافظ الأسد وصولًا إلى الإجراءات التي اتخذتها السلطات الجديدة بعد سقوط النظام، بهدف حصر الممتلكات ومراجعة العقود وإعادة تنظيم استثمارها.

هدم وتغيير في حقبة حافظ الأسد

شهدت العقود الأولى من حكم حزب البعث ثم عهد حافظ الأسد تعديات على عدد من الأصول الوقفية، شملت تغيير استخدام عقارات وتعديل عقود الملكية والتأجير لمصلحة مؤسسات حكومية وجهات حزبية وأشخاص نافذين.

ووفق باحثين في تاريخ الأوقاف، ارتبطت تلك الممارسات بسياسات حملت شعارات التحديث والتقدم، لكنها أدت إلى إضعاف استقلالية الأصول الوقفية وتغيير وظائف بعض الممتلكات.

 

مجمع يلبغا.. عقار وقفي في دوامة التعثر

 

يبرز «مجمع يلبغا» في وسط دمشق بوصفه أحد أبرز الأمثلة على مصير بعض الأوقاف خلال تلك المرحلة.

شُطب جامع يلبغا المملوكي وملحقاته من سجل الآثار التاريخية بقرار حكومي عام 1967، قبل أن تهدم الجرافات المبنى في أواخر سبعينيات القرن الماضي بحجة إنشاء مجمع حديث.

وقال الباحث في الفقه الإسلامي والأوقاف قاسم الصلاح لمنصة «سوريا الآن» إن مسجد يلبغا يمثل نموذجًا للتعدي على الأوقاف والاستهانة بقيمتها التاريخية والدينية.

 

أُسند مشروع المجمع خلال عهد حافظ الأسد إلى مؤسسة الإسكان العسكرية برئاسة رياض شاليش، ابن شقيقة الرئيس الراحل، وسط انتقادات تتعلق بطريقة إدارة المشروع والجهات المستفيدة منه.

تعثر المشروع لاحقًا وتوقف البناء لأكثر من 40 عامًا، ليبقى المبنى الضخم في قلب دمشق دون الاستفادة منه بالصورة التي كان مخططًا لها.

 

صراع على الاستثمار

 

تحدث الباحث في تاريخ الأوقاف معالي الدين الأيوبي عن محاولات والده زياد الدين الأيوبي، الذي تولى وزارة الأوقاف في السنوات الأولى من عهد بشار الأسد، تطوير استثمارات عقارية تابعة للوزارة، بينها أرض معرض دمشق الدولي القديمة ومجمع يلبغا.

 

وبحسب روايته، طُرح المجمع للاستثمار، وفازت شركة سعودية بعقد بقيمة 240 مليون ليرة سورية سنويًا، قبل ظهور عرض إماراتي بقيمة 520 مليون ليرة، ما أدى إلى ترجيح العرض الثاني.

دخل رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، لاحقًا على خط المشروع، وفق الرواية الواردة في الوثائقي، وسط اتهامات بممارسة ضغوط على الشركة الإماراتية.

 

وبعد نحو شهر من الواقعة عام 2007، صدر مرسوم رئاسي أنهى مهمة وزير الأوقاف زياد الدين الأيوبي، فيما تولى محمد عبد الستار السيد المنصب، وألغى العقد المبرم مع الشركة الإماراتية بعد وصوله إلى الوزارة.

أرض معرض دمشق وممتلكات تاريخية

 

امتد الجدل إلى أصول وقفية أخرى، بينها أرض معرض دمشق الدولي، التي نُقل حق التصرف فيها من وزارة الأوقاف إلى محافظة دمشق، قبل منحها لاحقًا لشركة مرتبطة بأسماء الأسد لإقامة مشروع «وردة مسار».

لم يكتمل المشروع، فيما طالت مشروعات تجارية أجزاء من التكية السليمانية التاريخية، وأدارتها «الأمانة السورية للتنمية» المرتبطة بأسماء الأسد، وفق ما أورده الوثائقي.

 

وفي محافظة الرقة، أُعيد توظيف مقبرة ووقف «أويس القرني» عام 1988 استجابة لطلب إيراني، قبل إزالة المقبرة بالكامل عام 2004 وتحويل الموقع إلى مزار ذي طابع شيعي، بحسب الوثائقي.

أصول ضخمة بعوائد محدودة

 

أظهرت البيانات الواردة في الوثائقي أن الأوقاف السورية كانت تضم نحو 33,700 عقار وقفي، إضافة إلى ما يقارب 170 ألف دونم من الأراضي.

 

ورغم حجم هذه الأصول، لم تتجاوز الإيرادات السنوية، وفق الوثائقي، نحو مليون دولار، في ظل عقود إيجار بأسعار منخفضة واتهامات بسوء إدارة الموارد.

وكشفت مراجعة الملفات بعد سقوط النظام عن مئات العقارات المؤجرة بمبالغ رمزية، بينها وحدات لا يتجاوز بدل إيجار بعضها نصف دولار شهريًا.

كما أظهرت عمليات التدقيق وجود أكثر من 600 عقار غير مدرج في السجلات، إلى جانب 546 عقارًا تشغلها مؤسسات حكومية مقابل بدلات إيجار رمزية.

 

إجراءات لاستعادة الأصول

 

بدأت وزارة الأوقاف السورية بعد سقوط النظام مراجعة سجلات الممتلكات والعقود، مع اتخاذ إجراءات لاستعادة الأصول وإعادة تقييم العوائد الاستثمارية.

وأظهرت النتائج الأولية ارتفاع العائد السنوي للأجزاء التجارية في مجمع يلبغا من 70 ألف دولار إلى نحو 950 ألف دولار بعد إعادة تنظيم الاستثمار.

كما أُعيد تأجير أرض وقفية بالقرب من ساحة الأمويين مقابل 320 ألف دولار كل ستة أشهر، بعدما كانت تؤجر مقابل 60 ألف دولار للفترة نفسها.

 

تتواصل عمليات حصر الممتلكات ومراجعة العقود والملاحقات القضائية بهدف استعادة مئات العقارات الوقفية في حلب وإدلب ومحافظات سورية أخرى.

وتضع هذه الإجراءات ملف الأوقاف أمام مرحلة جديدة، تقوم على إعادة حصر الممتلكات وتقييم العقود ورفع كفاءة الاستثمار، بما يعيد توجيه عوائدها إلى الأغراض التي خصصت لها، بعد عقود من الجدل حول إدارة هذه الأصول ومصير إيراداتها.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2

اقرأ أيضاً