تحالف أمريكي ياباني ينافس هيمنة الصين من قاع المحيط

2026.08.13 - 14:14
Facebook Share
طباعة

قاع المحيط يتحول إلى ساحة صراع
تخطط الولايات المتحدة واليابان لتطوير مشروع طموح لاستخراج المعادن النادرة من قاع المحيط الهادئ، على أعماق تصل إلى نحو 6 آلاف متر، في مسعى لتقليص اعتمادهما على الصين التي تهيمن على جانب كبير من إنتاج هذه المعادن الحيوية ومعالجتها.
ويتركز المشروع حول جزيرة ميناميتوريشيما اليابانية، الواقعة على بعد أكثر من 1600 كيلومتر جنوب شرق طوكيو، والتي تحيط بها منطقة اقتصادية خالصة واسعة تحتوي على رواسب غنية بالعناصر الأرضية النادرة.
وتأتي الخطوة في وقت تحولت فيه هذه المعادن إلى ورقة استراتيجية في التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين واشنطن وبكين، مع تزايد أهميتها في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والدفاع والطاقة.


ثروة في أعماق المحيط
أظهرت دراسات يابانية أن قاع البحر جنوب ميناميتوريشيما يحتوي على كميات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة، وقدّر باحثون من جامعة طوكيو عام 2018 وجود أكثر من 16 مليون طن من هذه المعادن في المنطقة.
وتضم الرواسب عناصر مثل الإيتريوم والغادولينيوم والديسبروسيوم والتيربيوم، وهي تدخل في تصنيع أشباه الموصلات والسيارات الكهربائية والمغناطيسات عالية الأداء وأنظمة التوجيه والتطبيقات الدفاعية.
وتكتسب الرواسب أهمية إضافية لاحتوائها على كميات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، التي تهيمن الصين على إنتاجها ومعالجتها عالمياً.
وأظهرت عينات جُمعت خلال عمليات تجريبية مطلع 2026 مستويات مرتفعة من هذه العناصر، ما دفع طوكيو إلى مواصلة أعمال الحفر والاستكشاف تمهيداً لوضع خطة تسويقية بحلول عام 2028.
ومن المقرر إجراء اختبار تعدين واسع في فبراير 2027 يستمر نحو شهر، ويشمل مراحل استخراج المعادن وتكريرها وصهرها، بهدف تقييم فرص تحويل المشروع إلى نشاط تجاري.


الصين في قلب الحسابات
ويأتي المشروع في قلب المنافسة المتصاعدة بين اليابان والصين، إذ تسيطر بكين على نحو 90% من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالمياً، فضلاً عن امتلاكها نفوذاً واسعاً في عمليات فصل هذه المعادن وتكريرها.
وتمنح هذه السيطرة الصين قدرة كبيرة على التأثير في سلاسل إمداد الصناعات التكنولوجية والعسكرية، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى القوى الصناعية المنافسة.
وزادت تلك المخاوف مع فرض بكين قيوداً على صادرات بعض العناصر الأرضية النادرة، في وقت تشهد فيه العلاقات الصينية اليابانية توترات سياسية واستراتيجية متصاعدة.
وتستورد اليابان حالياً نحو ثلثي احتياجاتها من هذه المعادن من الصين، رغم سنوات من الجهود الرامية إلى تنويع مصادر الإمداد.
وتنظر حكومة رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى رواسب ميناميتوريشيما باعتبارها فرصة استراتيجية لتقليص الاعتماد على بكين وتعزيز أمن الإمدادات.


تحركات صينية قرب الجزيرة
وتراقب الصين المنطقة عن كثب، إذ رُصدت سفن أبحاث صينية وهي تجري عمليات مسح بالقرب من المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان.
وفي يونيو 2025، دخلت حاملة طائرات صينية المنطقة الاقتصادية الخالصة المحيطة بميناميتوريشيما، في خطوة أثارت قلق طوكيو، رغم عدم اعتبارها انتهاكاً للقانون الدولي.
وردت اليابان بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، بما في ذلك نشر صواريخ مضادة للسفن وأنظمة للحرب الإلكترونية وطائرات مسيرة، إلى جانب دراسة تركيب رادارات وتوسيع البنية التحتية الدفاعية.


واشنطن تدخل السباق
وتتقاطع حسابات طوكيو مع مخاوف واشنطن بشأن النفوذ الصيني في سوق المعادن النادرة.
وخلال قمة عقدت في واشنطن في مارس 2026، اتفق البلدان على التعاون في دراسة استخراج رواسب ميناميتوريشيما، فيما دفعت الإدارة الأمريكية نحو تسريع إجراءات الترخيص للمشاريع المرتبطة بالتعدين في أعماق البحار.
وقد تشارك شركات أمريكية متخصصة في حفر آبار النفط والغاز وتكنولوجيا أعماق البحار في تطوير المشروع، بينما تمتلك اليابان خبرة متقدمة في استكشاف قاع المحيط.
وأبدت شركات أمريكية اهتماماً أولياً بالمشروع، من بينها شركة "ديب ريتش تكنولوجي"، التي أجرت اتصالات مع مسؤولين يابانيين بشأن إمكانات التعاون.


مليارات تحت الماء
وتستهدف الشراكة المحتملة بناء سلسلة توريد متكاملة تبدأ باستخراج المعادن من قاع المحيط، وتنتهي بإنتاج المغناطيسات المستخدمة في السيارات الكهربائية والتطبيقات الدفاعية والتكنولوجية.
لكن الوصول إلى هذه الثروة المعدنية يواجه تحديات هندسية وبيئية كبيرة. فالاستخراج من عمق 6 كيلومترات يعني العمل تحت ضغط مائي يعادل نحو 600 ضعف الضغط عند سطح البحر، في وقت لا تزال فيه المعرفة العلمية بالأنظمة البيئية في أعماق المحيط محدودة.
كما أن التعدين التجاري في أعماق البحار لم يصل حتى الآن إلى مرحلة الإنتاج واسع النطاق، بينما لا تزال القواعد الدولية المنظمة لهذا النشاط قيد التطوير.
وتشير تقديرات صناعية إلى أن مشروع ميناميتوريشيما قد يحتاج إلى مليارات الدولارات وأكثر من عقد من الاستثمار قبل الوصول إلى إنتاج تجاري مستقر، مع احتمال أن تبلغ تكلفة استخراج المعادن ثلاثة أضعاف تكلفة إنتاجها من المناجم البرية في الصين.
ورغم هذه التحديات، يرى باحثون يابانيون أن العقبات التقنية قابلة للتجاوز، مشيرين إلى أن الاختبارات الأولية أظهرت إمكانية الوصول إلى الرواسب واستخراجها.


رهان على الاستقلال الاقتصادي
تمثل ميناميتوريشيما بالنسبة إلى اليابان أكثر من مشروع للتعدين، إذ تندرج ضمن استراتيجية أوسع لتأمين المواد الخام وتقليص نقاط الضعف أمام الصين.
وسبق لطوكيو أن خفضت اعتمادها على بكين بعد أزمة عام 2010، عندما فرضت الصين قيوداً على صادرات المعادن النادرة وسط خلاف سياسي بين البلدين.
لكن الاعتماد الياباني لا يزال مرتفعاً، خصوصاً في العناصر الثقيلة التي يصعب تأمينها من مصادر بديلة.
ولهذا تراهن طوكيو على أعماق المحيط لتعزيز أمنها الاقتصادي، فيما ترى واشنطن في المشروع فرصة لبناء مصدر جديد للمعادن الاستراتيجية بعيداً عن الصين.


معركة طويلة الأمد
ورغم الطموحات الكبيرة، يبقى مستقبل المشروع مرهوناً بقدرته على تجاوز العقبات التقنية والاقتصادية والبيئية، فضلاً عن حجم الاستثمارات المطلوبة للوصول إلى إنتاج تجاري.
وفي حال نجاحه، يمكن أن تصبح ميناميتوريشيما قاعدة يابانية متكاملة لإنتاج العناصر الأرضية النادرة من قاع البحر، بما يمنح طوكيو قدرة أكبر على تصنيع المغناطيسات والمنتجات المرتبطة بها محلياً.
وبذلك، يتحول قاع المحيط الهادئ إلى ساحة جديدة للتنافس بين القوى الكبرى، حيث تتداخل الثروة المعدنية مع الأمن الاقتصادي والتكنولوجيا والدفاع، بينما تسعى واشنطن وطوكيو إلى بناء مسار إمداد بديل يقلص نفوذ بكين في سوق قد تصبح المعادن النادرة فيها إحدى أهم أوراق القوة خلال العقود المقبلة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9