جبهة جديدة
تفتح روسيا جبهة جديدة في سباق التكنولوجيا العسكرية، مع تسريع بناء شبكة «راسفيت» للإنترنت الفضائي، في محاولة لتوفير بديل روسي لخدمة «ستارلينك» وتعزيز قدرات القوات الروسية في الاتصالات خلال الحرب في أوكرانيا.
وبينما تتوسع موسكو في إطلاق الأقمار الصناعية، تبرز عقبات قد تحد من قدرة المشروع على منافسة الشبكة الأمريكية، أبرزها محدودية عدد الأقمار والمحطات الأرضية وقابلية هذه المحطات للاستهداف.
اقرأ أيضاً: هجوم جوي واسع.. روسيا تعلن إسقاط 456 مسيرة أوكرانية
16 قمراً في البداية
بدأت شركة «المكتب 1440» تنفيذ المشروع عملياً بإطلاق 16 قمراً صناعياً إلى المدار في مارس/آذار الماضي، أعقبتها دفعة أخرى في يوليو/تموز.
وتسعى الشركة، وفق تقارير، إلى الوصول إلى مئات الأقمار خلال العام المقبل، في محاولة لبناء كوكبة واسعة قادرة على توفير اتصالات عبر المدار الأرضي المنخفض.
بوتين يدخل على الخط
ورغم الطابع المدني المعلن للمشروع، اكتسبت الشبكة بعداً عسكرياً واضحاً بعدما تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عنها باعتبارها جزءاً من تطوير القدرات الروسية.
وأكد الرئيس الروسي، خلال لقاء مع جنود في يونيو/حزيران، أن العمل على نظام مشابه لـ«ستارلينك» يتقدم بصورة جيدة، معرباً عن أمله في توفيره للقوات الروسية.
درس أوكرانيا
أثبتت الحرب في أوكرانيا أن الاتصال المستمر ونقل البيانات يمكن أن يكونا عاملاً حاسماً في العمليات العسكرية.
وتتيح شبكات المدار الأرضي المنخفض سرعات أعلى وزمن استجابة أقل مقارنة بالأنظمة الفضائية التقليدية، لكنها تعتمد على أعداد كبيرة من الأقمار التي تحتاج إلى عمليات إطلاق متواصلة للحفاظ على التغطية.
ستارلينك ما زال بعيداً
ورغم الطموح الروسي، لا تزال المسافة واسعة بين «راسفيت» و«ستارلينك».
فالشبكة الأمريكية تضم أكثر من 10 آلاف قمر صناعي وتخدم ملايين المستخدمين، ما يمنحها تفوقاً كبيراً في الحجم والانتشار والخبرة التشغيلية.
ومع ذلك، فإن تشغيل شبكة روسية حتى بقدرات محدودة قد يوفر لموسكو قدرة إضافية على الاتصالات العسكرية والقيادة والسيطرة.
المحطات.. الحلقة الأضعف
قد لا تكون الأقمار نفسها المشكلة الأكبر بالنسبة إلى موسكو، بل المنشآت الأرضية التي تحتاجها الشبكة لتبادل البيانات.
وتتطلب هذه المنشآت تجهيزات كبيرة واتصالات مباشرة بالبنية التحتية الأرضية، كما يمكن أن تصدر عنها إشارات تجعل تحديد مواقعها أكثر سهولة، الأمر الذي يرفع مخاطر استهدافها.
تفوق جغرافي
وتملك أوكرانيا، وفق الخبراء، ميزة مهمة في هذا الجانب، إذ تستفيد من محطات أرضية لشبكة «ستارلينك» موجودة خارج أراضيها، بما في ذلك في دول أعضاء في الناتو.
ويحد هذا الانتشار من قدرة روسيا على استهداف البنية الأرضية للشبكة دون المخاطرة بتوسيع نطاق المواجهة.
أما «راسفيت»، فمن المرجح أن تعتمد بدرجة أكبر على محطات داخل روسيا، ما يجعلها أمام احتمال تعرضها لضربات أوكرانية بعيدة المدى.
اختبار مبكر
وتؤكد الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن القوات الروسية بدأت استخدام الشبكة الجديدة بشكل محدود، خصوصاً خلال مرور الأقمار فوق مناطق العمليات.
وقال سكيبتسكي إن كييف تدرس بالفعل وسائل التعامل مع هذه القدرة الجديدة، ما يشير إلى أن الشبكة الروسية دخلت الحسابات العسكرية الأوكرانية حتى قبل اكتمال بنائها.
عقبة صناعية
ويواجه المشروع تحدياً إضافياً يتمثل في قدرة روسيا على تصنيع وإطلاق الأعداد المطلوبة من الأقمار في وقت قصير.
وترى خبيرة الأمن والاستقرار الفضائي في مؤسسة «العالم الآمن» فيكتوريا سامسون أن القدرات الصناعية والإطلاقية الروسية الحالية لا تكفي لبناء كوكبة ضخمة بالسرعة نفسها التي تطورت بها «ستارلينك»، أو بالمستوى الذي تطمح إليه المشروعات الصينية.
اقرأ أيضاً: استراتيجية جديدة... أوكرانيا تنقل الحرب إلى البنية الاقتصادية الروسية
سباق نحو عسكرة الفضاء
ولا تبدو المنافسة الروسية مجرد مشروع اتصالات تجاري، بل جزءاً من تحول أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبحت البنية الفضائية عاملاً مؤثراً في الاتصالات والاستطلاع والقيادة والسيطرة.
ومع توسع «راسفيت»، ستتحدد فرص نجاح المشروع بقدرته على الصمود أمام الهجمات، وتأمين محطاته الأرضية، وتسريع إطلاق الأقمار الجديدة.
معركة لم تُحسم
وتخوض موسكو سباقاً مع الزمن للحاق بشبكات فضائية متقدمة، لكن بناء «ستارلينك روسي» قادر على منافسة نظيره الأمريكي يحتاج إلى أكثر من إطلاق عشرات أو مئات الأقمار.
فالمعادلة تشمل شبكة متكاملة من الأقمار والمحطات الأرضية والإطلاقات المتواصلة والحماية العسكرية، وهي عناصر ستحدد ما إذا كان مشروع «راسفيت» سيتحول إلى منافس حقيقي، أم يبقى في حدود القدرة الروسية المحدودة على الاتصالات الفضائية.