إعدام رموز الأسد يفتح معركة المعايير القضائية

نور عادل - دمشق - وكالة أنباء آسيا

2026.08.12 - 14:18
Facebook Share
طباعة

 ردّت وزارة العدل السورية على انتقادات منظمة العفو الدولية للأحكام الصادرة عن القضاء السوري بحق عدد من مسؤولي النظام السابق، وفي مقدمتهم الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر، مؤكدة أن المحاكمات استندت إلى ملفات وأدلة قضائية، وأن المتهمين خضعوا للضمانات التي يكفلها القانون السوري.

وقالت الوزارة، في بيان صدر الأربعاء 12 آب، إن ما ورد في موقف المنظمة الدولية لا يعكس، بحسب تقييمها، طبيعة الإجراءات التي اتُبعت أمام القضاء، مشيرة إلى أن القضايا نظرت فيها محكمة جنائية مدنية مختصة، وبإشراف قضاة مؤهلين، مع مشاركة الضحايا وممثليهم وفق الأصول القانونية.

وأضافت أن الإجراءات تضمنت ضمانات الدفاع وسبل الطعن والاعتراض، مؤكدة أن القضاء تعامل مع الملفات استناداً إلى وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع مراعاة الضمانات الدستورية والقانونية والمبادئ ذات الصلة بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.

ويأتي الرد في أعقاب موقف أعلنته منظمة العفو الدولية، الثلاثاء، عقب صدور أحكام بالإعدام بحق عدد من رموز النظام السابق، دعت فيه السلطات السورية إلى إلغاء عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية، وإجراء إصلاح قضائي يضمن تطبيق معايير المحاكمة العادلة.

 

اقرأ أيضا: الإعدام يطارد بشار الأسد.. دمشق تفتح ملف جرائم الحرب

 

خلاف حول شكل العدالة لا مبدأ المحاسبة

وبحسب قراءة وكالة أنباء آسيا، لا يدور الخلاف المعلن بين الطرفين حول مبدأ محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنما حول الأدوات التي ينبغي استخدامها لتحقيق هذه المحاسبة.

فالوزارة السورية تقدم الأحكام باعتبارها جزءاً من مسار قضائي لمحاسبة مسؤولين عن جرائم ارتُكبت خلال سنوات حكم النظام السابق، بينما ترى منظمة العفو الدولية أن تحقيق العدالة يجب أن يتم من خلال إجراءات تستبعد عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية، وتندرج ضمن استراتيجية أوسع للعدالة تتمحور حول الضحايا.

وكانت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق قد أصدرت، الثلاثاء، حكماً بالإعدام حضورياً بحق الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب، وغيابياً بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعدد آخر من المسؤولين السابقين.

وشملت الأحكام، وفق وزارة العدل، كلاً من فهد الفريج، ولؤي العلي، وقصي ميهوب، ووفيق ناصر، وطلال العيسمي، فيما أُسقطت دعوى الحق العام بحق أيمن عيوش بسبب وفاته.

ووجهت المحكمة إلى المحكوم عليهم اتهامات تتعلق بالقتل العمد والتحريض عليه والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، ووصفت بعض الأفعال بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

كما أبقت المحكمة مذكرات التوقيف الغيابية نافذة بحق المتهمين الموجودين خارج سوريا، ووجهت بمخاطبة الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بملاحقتهم خارج البلاد.

 

اقرأ أيضا: سوريا والأردن والعراق.. تنسيق يتجاوز الحدود

 

الوزارة: لا انتقام ولا تسييس

وحاولت وزارة العدل في بيانها وضع الأحكام ضمن الإطار الأوسع للمرحلة الانتقالية في سوريا، معتبرة أن حجم الانتهاكات التي خلفتها سنوات الصراع يفرض على الدولة مسؤولية التحقيق والمحاسبة.

وأكدت في الوقت نفسه أن المحاسبة، من وجهة نظرها، لا تعني تجاوز حقوق المتهمين أو إلغاء ضمانات المحاكمة، مشددة على أن الإصلاح القضائي الذي تعمل عليه يستهدف تعزيز استقلال القضاء وتطوير المؤسسات والتشريعات وترسيخ ضمانات المحاكمة العادلة.

وقالت الوزارة إن العدالة ينبغي أن تتم بعيداً عن الانتقام أو التسييس، في محاولة لتأكيد أن الإجراءات القضائية الحالية تمثل، بحسب موقفها، جزءاً من بناء مؤسسات الدولة وليس امتداداً لصراع سياسي سابق.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل حساسية ملف محاسبة مسؤولي النظام السابق، إذ تواجه السلطات الجديدة تحدياً يتمثل في الجمع بين مطلب الضحايا بالمحاسبة، وبين ضرورة بناء مسار قضائي يحظى بالاعتراف داخلياً وخارجياً.

 

العفو الدولية: المحاسبة لا تعني الإعدام

في المقابل، تتمسك منظمة العفو الدولية بموقفها الرافض لعقوبة الإعدام في جميع الحالات، بغض النظر عن طبيعة الجرائم أو هوية المحكوم عليهم.

وتعتبر المنظمة أن الإعدام عقوبة نهائية لا يمكن التراجع عنها في حال وقوع خطأ قضائي، كما ترى أن تحقيق العدالة في سوريا يجب أن يتم من خلال محاكم مدنية عادية وإجراءات تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة.

ودعت المنظمة كذلك إلى تجريم الجرائم الأساسية التي يشملها القانون الدولي ضمن التشريعات السورية، وإلى اعتماد استراتيجية شاملة تتضمن كشف الحقيقة وجبر الضرر ومشاركة الضحايا.

ولا تعارض المنظمة، بحسب موقفها المعلن، ملاحقة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، لكنها تضع لذلك شروطاً تتعلق بشكل المحاكمات ونوع العقوبات والضمانات القانونية.

 

اختبار لمسار العدالة في سوريا

ويضع هذا التباين السلطات السورية أمام اختبار مبكر في ملف العدالة الانتقالية، خصوصاً أن الأحكام الأخيرة لا تتعلق بجرائم فردية محدودة، وإنما بشخصيات كانت في مواقع قيادية خلال مرحلة امتدت لعقود.

ويبدو أن التحدي المقبل لن يرتبط فقط بإصدار الأحكام، بل أيضاً بقدرة القضاء السوري على إثبات استقلاله، وضمان حقوق الدفاع والطعن، والتعامل مع المحاكمات الغيابية، إضافة إلى كيفية تنفيذ الأحكام بحق المطلوبين الموجودين خارج البلاد.

وفي المقابل، يمثل تنفيذ المحاسبة مطلباً رئيسياً لدى شريحة واسعة من ضحايا الانتهاكات وذويهم، ما يجعل أي مسار قضائي أمام معادلة دقيقة بين سرعة المحاسبة، وضمانات العدالة، ومنع تحول القضاء إلى أداة للانتقام السياسي.

وبذلك، لا يبدو أن الرد السوري على “العفو الدولية” يغلق الجدل حول الأحكام الأخيرة، بل يفتح نقاشاً أوسع حول النموذج الذي ستتبناه سوريا في محاسبة مسؤولي المرحلة السابقة: هل تتركز العدالة على العقوبة، أم تتجه إلى مسار متكامل يجمع بين المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمانات المحاكمة العادلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 5