أقر البرلمان التركي، الاثنين، إطاراً قانونياً لعملية حل حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه، في خطوة تمثل تحولاً لافتاً في مسار صراع مسلح استمر أكثر من أربعة عقود، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة تتجاوز إنهاء النشاط العسكري للحزب إلى مستقبل القضية الكردية وحسابات الرئيس رجب طيب أردوغان الداخلية والإقليمية.
وحصل القانون على تأييد 468 نائباً من أصل 600، بمشاركة حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية وحزب المساواة والديمقراطية للشعوب، بعد أشهر من النقاشات داخل اللجنة البرلمانية المعنية بالعملية.
ويأتي التشريع تتويجاً لمسار بدأ بدعوة عبد الله أوجلان، في شباط 2025، إلى حل الحزب وإلقاء السلاح، قبل أن ينتقل الملف تدريجياً من المبادرات السياسية إلى ترتيبات قانونية لتنفيذ عملية نزع السلاح وإعادة دمج عدد من المقاتلين السابقين.
اقرأ أيضا: صادرات تركيا تقفز إلى 25.6 مليار دولار
شاهد أيضا: فيديو: مدينة مغلقة وفندق معزول.. كيف استعدت تركيا لاستقبال القادة؟
عفو مشروط واستثناءات واسعة
يوفر الإطار القانوني حماية ومزايا قانونية لفئات من عناصر الحزب الذين لم يثبت تورطهم في جرائم محددة، مع إمكانية تعليق بعض الملاحقات والأحكام لفترات تتراوح بين خمس وعشر سنوات وفق شروط معينة.
ولا تشمل الإجراءات المتورطين في جرائم خطيرة، وفي مقدمتها القتل، كما تستثني بعض الأحكام المؤبدة الصادرة قبل حزيران 2005. وبذلك، لا يفتح القانون الباب تلقائياً أمام إطلاق سراح جميع السجناء المرتبطين بالحزب، كما لا يعني أن عبد الله أوجلان أصبح قريباً من مغادرة السجن.
وترتبط المرحلة التالية بالتحقق من تنفيذ عملية نزع السلاح وحل الحزب بصورة كاملة، على أن يكون لمجلس الأمن القومي التركي دور في تثبيت اكتمال العملية قبل الانتقال إلى مراحل قانونية أخرى.
وتشمل آلية نزع السلاح تسليم الأسلحة والذخائر والمعدات، بما فيها الطائرات المسيّرة ووسائل الاتصال والمركبات والمواد المتفجرة، مع تسجيل المضبوطات والتحقق من مواقع التسليم.
القضية الكردية لم تنته
ورغم الطابع التاريخي للتشريع، فإن إنهاء النشاط المسلح لحزب العمال الكردستاني لا يعني بالضرورة انتهاء القضية الكردية في تركيا.
فالمطالب الكردية تتجاوز ملف السلاح إلى قضايا تتعلق باستخدام اللغة الكردية في المؤسسات والقضاء، والتعليم باللغة الأم، وصلاحيات الإدارة المحلية، إضافة إلى مراجعة بعض مواد قوانين مكافحة الإرهاب التي لطالما أثارت انتقادات بسبب اتساع نطاق تطبيقها.
ومن هذه الزاوية، يمثل القانون بداية لمسار سياسي أكثر منه تسوية نهائية، إذ إن نجاحه على المدى الطويل سيكون مرتبطاً بما إذا كانت أنقرة ستنتقل من معالجة الصراع باعتباره ملفاً أمنياً إلى معالجة المطالب السياسية والقانونية المرتبطة بالقضية الكردية.
أردوغان وحسابات ما بعد 2028
لا تنفصل الخطوة عن الحسابات السياسية الداخلية لأردوغان، الذي يواجه استحقاقاً دستورياً يتعلق بحدود الولايات الرئاسية.
وقد يحتاج الرئيس التركي وحزبه إلى دعم القوى الكردية في البرلمان في حال السعي إلى تعديل دستوري أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهو ما يجعل التقارب الحالي مع حزب المساواة والديمقراطية للشعوب ذا أهمية سياسية تتجاوز ملف نزع السلاح.
وفي المقابل، يمكن للحركة الكردية أن ترى في العملية فرصة للحصول على مكاسب سياسية وقانونية، خصوصاً إذا تحولت التفاهمات الحالية إلى تعديلات تتعلق بالحقوق والحريات والقضية الكردية.
أما طرح احتمال الإفراج عن أوجلان، الذي كان حتى وقت قريب من أكثر القضايا حساسية لدى التيار القومي التركي، فيعكس حجم التحول في الخطاب السياسي، خصوصاً مع صدور مواقف من حلفاء أردوغان السابقين في الائتلاف الحاكم تتحدث عن إمكان منحه ما يعرف بـ«حق الأمل».
انعكاسات مباشرة على سوريا
وتكتسب الخطوة التركية أهمية خاصة بالنسبة إلى شمال شرقي سوريا، في ظل العلاقة التي تقيمها أنقرة بين حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية.
وتعتبر تركيا أن وجود قيادات وعناصر مرتبطة بالحزب ضمن بنية قوات سوريا الديمقراطية يمثل تهديداً لأمنها القومي، بينما تنفي قوات سوريا الديمقراطية كونها امتداداً للحزب وتؤكد خصوصية وضعها داخل سوريا.
وفي حال تحول نزع السلاح داخل تركيا إلى عملية فعلية ومستدامة، فقد تتراجع إحدى أبرز الذرائع الأمنية التي تستخدمها أنقرة في التعامل مع الملف الكردي على حدودها الجنوبية.
لكن ذلك لا يعني انتهاء الخلاف بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، إذ تبقى ملفات مستقبل القوات، وترتيبات الحدود، والإدارة المحلية، والمؤسسات والموارد، جزءاً من التفاوض السوري الداخلي.
ويتقاطع ذلك مع مسار الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، الذي يتناول مستقبل القوات والإدارة في شمال شرقي البلاد. وقد يوفر انخفاض مستوى التوتر التركي هامشاً أكبر أمام الطرفين السوريين للتفاوض، لكنه لا يحسم الخلافات المتعلقة بشكل الاندماج وتفاصيله.
مكاسب إقليمية لأنقرة
وتتجاوز حسابات تركيا حدودها الجنوبية. فنجاح عملية نزع السلاح يمكن أن يعزز موقع أنقرة كطرف قادر على إدارة أحد أطول النزاعات المسلحة في المنطقة، كما قد يفتح المجال أمام ترتيبات اقتصادية وأمنية جديدة في شمال العراق.
كذلك يمكن أن تستفيد تركيا من تحسن صورتها لدى أوروبا، التي لطالما انتقدت سياساتها تجاه الملف الكردي وقوانين مكافحة الإرهاب، إلى جانب استمرار قضية السياسي الكردي صلاح الدين دميرتاش أمام المؤسسات الأوروبية.
لكن نجاح هذه العملية سيبقى مرتبطاً بالتنفيذ، وليس بالتصويت البرلماني وحده. فإلقاء السلاح، والتحقق من تسليمه، وحل البنية التنظيمية للحزب، ثم معالجة الملفات السياسية والقانونية للأكراد، كلها مراحل قد تواجه اختبارات صعبة.
وعليه، فإن القانون يمثل بالفعل خطوة غير مسبوقة في مسار الصراع التركي الكردي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات قيام تسوية تاريخية. الاختبار الحقيقي سيكون في المرحلة التالية: هل يتحول نزع السلاح إلى تسوية سياسية أوسع، أم تستخدم أنقرة نهاية النشاط المسلح للحزب لإعادة ترتيب موازين القوة داخلياً وإقليمياً؟
وفي الحالتين، سيكون شمال شرقي سوريا من أكثر المناطق تأثراً بنتائج هذا المسار، خصوصاً إذا انتقلت العملية التركية من الإطار القانوني إلى التنفيذ الميداني الكامل.