أعادت أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة الجنايات في دمشق بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب، ملف محاسبة رموز النظام السابق إلى واجهة المشهد السوري، لكن الحكم يفتح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر تعقيداً يتعلق بإمكان ملاحقة المحكوم عليهم الموجودين خارج البلاد.
وصدر الحكم بحق بشار وماهر الأسد غيابياً، بينما يمثل عاطف نجيب أمام القضاء السوري، في قضية ارتبطت بانتهاكات نسبت إلى أجهزة النظام السابق، من بينها وقائع تعود إلى بدايات الاحتجاجات في درعا عام 2011. ويشكل الحكم محطة مهمة في مسار المحاسبة داخل سوريا، لكنه لا يعني تلقائياً إمكانية تنفيذ العقوبة بحق المحكومين الموجودين في الخارج.
فبين صدور الحكم وتنفيذه خارج الحدود، توجد سلسلة من الإجراءات القانونية والسياسية، تبدأ بتحديد آليات الملاحقة، وقد تصل إلى طلبات توقيف أو تعاون قضائي وتسليم، بحسب الدولة التي يوجد فيها المطلوب.
اقرأ أيضا: محكمة دمشق تحكم بإعدام عاطف نجيب
الحكم لا يساوي مذكرة دولية
يمثل صدور حكم قضائي محلي خطوة يمكن للسلطات السورية البناء عليها في أي مسار لاحق، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى مذكرة توقيف دولية بمجرد النطق به.
وفي حال أرادت دمشق ملاحقة المحكوم عليهم خارج سوريا، فإنها تحتاج إلى اتخاذ إجراءات رسمية لدى الدول المعنية، وقد تشمل طلب التعاون القضائي أو طلب التسليم، إضافة إلى إمكانية اللجوء إلى قنوات الشرطة الدولية وفق الشروط والإجراءات المعمول بها.
لكن أي تحرك عبر الشرطة الدولية لا يعني أن القبض على المطلوب أصبح تلقائياً، كما أن وجود حكم صادر عن محكمة سورية لا يلزم دولة أخرى بتنفيذه من دون أساس قانوني يتيح التعاون أو التسليم.
وهنا تظهر العقبة الأساسية في حالة بشار وماهر الأسد، والمتمثلة في وجودهما خارج سوريا، ولا سيما في روسيا، حيث سيكون موقف موسكو عاملاً حاسماً في أي محاولة سورية لاستعادتهما.
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 10-8- 2026
موسكو في قلب المعادلة
يضع وجود الأسد في روسيا ملف التسليم أمام اختبار سياسي وقانوني في آن واحد. فحتى في حال إرسال طلب رسمي من دمشق، يبقى تنفيذ الطلب مرتبطاً بالقواعد القانونية الروسية وبقرار السلطات الروسية، فضلاً عن طبيعة العلاقة السياسية بين موسكو ودمشق.
وكانت السلطات السورية قد بدأت منذ وقت سابق مساراً قضائياً لملاحقة الأسد خارج البلاد، لكن انتقال الملف الآن إلى مرحلة صدور حكم بالإعدام يرفع مستوى المواجهة القانونية والسياسية، من دون أن يعني أن روسيا ستتجه بالضرورة إلى تسليمه.
ومن الناحية العملية، تستطيع الدولة الموجودة على أراضيها شخصية مطلوبة أن تدرس طلب التسليم وفق قوانينها والتزاماتها الدولية، كما يمكنها رفضه إذا رأت أن الشروط القانونية غير متوافرة أو لأسباب أخرى تتصل بسيادتها ومصالحها.
وبالتالي، فإن الحكم يمنح دمشق ورقة قضائية أقوى، لكنه لا يلغي العامل السياسي الذي سيحكم إلى حد كبير فرص تنفيذ الحكم خارج سوريا.
ماذا يضيف الحكم إلى ملف المحاسبة؟
أهمية الحكم لا تتعلق فقط بإمكان تنفيذ عقوبة الإعدام، بل أيضاً بكون القضاء السوري وضع مسؤولين بارزين في النظام السابق ضمن إطار قضائي رسمي للمحاسبة.
ويمثل ذلك انتقالاً من مرحلة توثيق الانتهاكات والشهادات والمطالبات السياسية إلى مرحلة إصدار أحكام قضائية بحق شخصيات محددة، مع ما يرافق ذلك من أسئلة حول الأدلة، وحقوق الدفاع، والطعن، وضمانات المحاكمة.
وفي حالة عاطف نجيب، تكتسب القضية بعداً خاصاً بالنسبة إلى درعا، إذ ارتبط اسمه بالمسؤولية الأمنية في المحافظة خلال بدايات الاحتجاجات عام 2011، وهي الفترة التي شهدت اعتقال أطفال وتعذيبهم، في واقعة أصبحت من الأحداث المرتبطة بانطلاق الاحتجاجات السورية.
ويمنح الحكم ذوي الضحايا، في هذا السياق، اعترافاً قضائياً بمعاناتهم، لكنه لا يغلق ملف الانتهاكات التي شهدتها سوريا خلال سنوات حكم النظام السابق.
العدالة الانتقالية أمام اختبار أصعب
وتتجاوز العدالة الانتقالية إصدار الأحكام إلى مجموعة من المسارات التي تشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، وجبر الضرر، وحفظ حقوق الضحايا، وإصلاح المؤسسات التي ارتبطت بالانتهاكات.
ومن هذه الزاوية، فإن الحكم يمثل خطوة في مسار أطول، خصوصاً أن ملف المسؤولية لا يتعلق بثلاثة أشخاص فقط، وإنما ببنية أمنية وعسكرية وسياسية واسعة عملت خلال عقود.
وتبقى أهمية المحاكمات في قدرتها على تحديد المسؤوليات الفردية وفق الأدلة والقانون، بعيداً عن العقاب الجماعي أو الانتقام، بما يسمح بتحويل ملف المحاسبة إلى مسار مؤسساتي يمكن البناء عليه في قضايا أخرى.
بين الحكم والتنفيذ مسافة طويلة
يضع الحكم السلطات السورية أمام مرحلة جديدة: تحويل الإدانة القضائية إلى إجراءات ملاحقة فعلية خارج البلاد.
وفي حالة عاطف نجيب، الموجود داخل سوريا، تبدو مسألة تنفيذ الحكم مرتبطة بالإجراءات القضائية المحلية والطعن وما يترتب عليها قانونياً. أما بالنسبة إلى بشار وماهر الأسد، فإن المسار أكثر تعقيداً بسبب وجودهما خارج الأراضي السورية.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم بعد صدور الحكم لن يكون فقط ماذا قالت المحكمة، بل ماذا ستفعل دمشق بعد الحكم؟ وهل ستطلب رسمياً ملاحقة المحكوم عليهم خارج البلاد؟ وهل ستتحرك عبر قنوات التعاون القضائي والشرطة الدولية؟ وكيف ستتعامل الدول التي يوجد فيها المطلوبون مع تلك الطلبات؟
هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان الحكم سيبقى في إطار الإدانة القضائية الرمزية، أم يتحول إلى بداية لمسار دولي أكثر اتساعاً لملاحقة رموز النظام السابق.