من التوغل إلى التمركز.. إسرائيل توسع حضورها جنوب سوريا

2026.08.11 - 10:58
Facebook Share
طباعة

تحصينات تتوسع
تعمل إسرائيل على تعزيز انتشارها العسكري داخل مناطق من جنوب سوريا، عبر إنشاء تحصينات ومواقع مراقبة وتوسيع نطاق عملياتها الميدانية، في خطوة تشير إلى توجه نحو ترسيخ وجود عسكري أكثر استدامة في المنطقة.
وبحسب معطيات ميدانية، انتقلت القوات الإسرائيلية تدريجياً من عمليات توغل مؤقتة إلى انتشار أكثر انتظاماً داخل قرى وبلدات في القنيطرة وأجزاء من ريف درعا، فيما تقول إسرائيل إن هذه التحركات تهدف إلى منع أي تهديد محتمل للمستوطنات في الجولان.


مشروع «شرق جديد»
ووفقاً لخبراء، منذ نحو عامين، يعمل الجيش الإسرائيلي على مشروع هندسي يحمل اسم «شرق جديد»، يتضمن إنشاء منظومة من الخنادق والتحصينات على امتداد المنطقة الحدودية في جنوب سوريا.
ووفق المعطيات المتداولة، أنجز الجيش نحو 80% من أعمال حفر خنادق تمتد من منطقة مجدل شمس شمالاً إلى المثلث الحدودي مع الأردن جنوباً.
وتصل أبعاد بعض الخنادق إلى نحو أربعة أمتار عرضاً وعمقاً، فيما أقيمت إلى جانبها سواتر ترابية ومواقع للمراقبة، بعضها مجهز بوسائل عسكرية متطورة ومدافع وآليات مسيّرة.
وتقول إسرائيل إن هذه التحصينات تهدف إلى منع تكرار هجوم مشابه لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.


9 مواقع عسكرية
تنفذ العمليات في المنطقة قوات تابعة لـ«لواء الجولان 474»، ضمن ما تسميه إسرائيل «الحزام الأمني» الممتد من جبل الشيخ إلى الحدود السورية الأردنية.
ويتراوح عرض المنطقة التي تنتشر فيها القوات بين خمسة و12 كيلومتراً، فيما أقيمت فيها تسعة مواقع عسكرية تستخدم للمراقبة والإشراف، إلى جانب كونها نقاط انطلاق لعمليات داخل القرى والبلدات والمناطق المفتوحة.
ويعكس هذا الانتشار تحول الوجود العسكري الإسرائيلي من عمليات مرتبطة بظروف أمنية محددة إلى بنية ميدانية أكثر ثباتاً، تشمل مواقع عسكرية وتحسينات هندسية ومسارات تحرك منتظمة.


بعد سقوط الأسد
وسعت إسرائيل نطاق انتشارها داخل الأراضي السورية عقب سقوط نظام بشار الأسد في عام 2024، إذ دخلت قواتها إلى مناطق إضافية خارج نطاق سيطرتها السابقة في الجولان.
وأعلنت إسرائيل بعد ذلك إلغاء العمل باتفاق فصل القوات الموقع مع سوريا عام 1974، بينما واصلت قواتها عمليات التوغل والانتشار في مناطق من القنيطرة وريف درعا.
ومنذ ذلك الحين، تحولت المنطقة الحدودية إلى مسرح لعمليات عسكرية متواصلة شملت التوغلات والاعتقالات وإقامة الحواجز وعمليات التفتيش، وسط اعتراضات سورية على الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية.


المدنيون تحت الاشتباه
يثير الانتشار داخل المناطق المأهولة إشكالية إضافية تتعلق بكيفية تعامل القوات الإسرائيلية مع السكان المحليين.
وتشير تصريحات منسوبة إلى ضباط إسرائيليين إلى أن الإجراءات الأمنية تُبنى على تقدير القدرات التي يمكن أن يمتلكها الأشخاص ومستوى التهديد المحتمل، وليس فقط على هويتهم.
وتزيد هذه المقاربة من احتمالات الاحتكاك مع السكان، ولا سيما في المناطق التي يعتمد سكانها على الرعي والزراعة ويتنقلون بصورة مستمرة في المناطق المفتوحة.


توغلات متزايدة
تشمل العمليات الإسرائيلية عدداً من القرى في القنيطرة ومحيط درعا، فيما تصاعدت وتيرة التوغلات عقب حادثة وقعت أواخر يونيو/حزيران الماضي في منطقة عابدين غربي درعا.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، تعرضت قواتها خلال انسحابها إلى أحد مواقعها للرشق بالحجارة، قبل إطلاق النار باتجاهها. وردت القوات بإطلاق النار واستخدام قذائف الهاون، فيما نفذت مروحية قتالية غارة على المنطقة.
ولم تسجل إصابات في صفوف القوات الإسرائيلية، لكنها تركت معدات عسكرية بينها هاتف مصنف عسكرياً، قال الجيش إنه تمكن من تعطيله عن بُعد.
وعقب الحادثة، أجرى الجيش الإسرائيلي مراجعة لعملياته، وبدأ تنفيذ جزء كبير من تحركاته داخل بعض القرى، بينها عابدين، خلال ساعات الليل.
وتفيد المعطيات بأن التوغلات تضاعفت في الجنوب السوري منذ ذلك الحادث، وترافقت مع إقامة حواجز وتفتيش المارة والمنازل واعتقال مدنيين.


وجود طويل الأمد
لا تقتصر التحركات الإسرائيلية في الجنوب السوري على زيادة العمليات العسكرية، بل تترافق مع بناء بنية ميدانية ثابتة نسبياً تضم الخنادق والمواقع العسكرية ووسائل المراقبة والتحصينات.
ويعزز ذلك احتمال توجه إسرائيل إلى بناء واقع أمني جديد في المنطقة الحدودية، لا يقوم فقط على تنفيذ عمليات عند الحاجة، بل على وجود عسكري مستمر داخل أجزاء من الجنوب السوري.


واقع أمني جديد
تبرر إسرائيل إجراءاتها باعتبارات أمنية ومنع تهديدات محتملة من الأراضي السورية، لكن استمرار الانتشار والتوغلات داخل القرى يضيف تعقيدات جديدة إلى المشهد، خصوصاً مع احتمال تحول الوجود العسكري الإسرائيلي إلى عنصر دائم في العلاقة بين القوات الإسرائيلية والسكان المحليين.
ويبدو أن مشروع «شرق جديد» يتجاوز كونه برنامجاً هندسياً لإنشاء التحصينات، ليشكل جزءاً من إعادة صياغة البيئة الأمنية على الحدود السورية الإسرائيلية، في وقت لا تزال فيه ترتيبات الأمن والسيادة في الجنوب السوري غير محسومة.


اختبار للجنوب
تكشف التحركات الإسرائيلية المتزايدة أن الجنوب السوري يدخل مرحلة أمنية جديدة، تتداخل فيها التحصينات العسكرية الإسرائيلية مع التوغلات الميدانية وإعادة رسم خطوط الانتشار.
وبينما ترى إسرائيل في هذا الوجود وسيلة لتعزيز أمنها، فإن استمراره داخل الأراضي السورية قد يفتح الباب أمام مزيد من الاحتكاك والتوتر، ويجعل مستقبل المنطقة مرتبطاً بقدرة الأطراف على التوصل إلى ترتيبات واضحة بشأن الأمن والحدود والسيادة. 

 

اقرأ أيضاً: توغلات متكررة.. القوات الإسرائيلية تتقدم داخل ريف القنيطرة

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 7