تراجعت حركة السياحة الوافدة إلى الشرق الأوسط بنسبة 14% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في وقت واصلت فيه السياحة العالمية تسجيل نمو بنسبة 2%، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، ما يضع أحد القطاعات الحيوية في المنطقة أمام اختبار جديد بفعل التوترات واضطراب حركة الطيران.
وكانت "توريزم إيكونوميكس" قد توقعت قبل تصاعد التوترات نمو السياحة في الشرق الأوسط بنسبة 13% خلال العام الجاري، مدفوعة باستمرار التعافي وزيادة الطاقة الاستيعابية للرحلات الجوية، إلا أن الحرب الإيرانية والاضطرابات التي طالت مسارات الطيران تهددان هذه التوقعات.
جاء التراجع الحالي بعد عام شهد أداءً قوياً للقطاع، إذ تجاوز عدد السياح الدوليين الوافدين إلى الشرق الأوسط خلال 2025 مستويات عام 2019، قبل جائحة كورونا، بنحو 40%، بحسب منظمة الأمم المتحدة للسياحة.
ولا يتوقف أثر اضطراب السفر عند المسافر أو شركات الطيران، إذ يمتد إلى سلسلة واسعة من الأنشطة التي تعتمد على إنفاق الزوار. فالسائح ينفق على الإقامة والمطاعم والنقل والتسوق والترفيه، وبالتالي فإن انخفاض أعداد الوافدين يقلص الطلب على تلك الخدمات ويضغط على إيرادات الشركات والعاملين فيها.
سجل أداء شركات طيران الشرق الأوسط تراجعاً بنسبة 60.8% خلال مارس/آذار، وفق بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا"، في مؤشر على حجم الاضطراب الذي أصاب حركة السفر في المنطقة.
وينعكس انخفاض الرحلات الجوية بدوره على الفنادق، إذ يؤدي تراجع عدد القادمين إلى انخفاض معدلات الإشغال، كما تتأثر خدمات النقل والمطارات والمتاجر والمطاعم والأنشطة الترفيهية المرتبطة بالحركة السياحية.
اعتمدت دول عدة في الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية على السياحة باعتبارها مصدراً للنقد الأجنبي وأداة لتنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة الزوار أكثر تأثيراً في خططها الاقتصادية.
ولا يمكن اعتبار الانخفاض المسجل مجرد تراجع موسمي عابر، خصوصاً أن القطاع كان قد قطع شوطاً مهماً في استعادة مستويات ما قبل الجائحة. ويعني استمرار التوترات أن المسافرين قد يؤجلون قراراتهم أو يختارون وجهات أخرى أكثر استقراراً، ما يزيد الضغوط على الأسواق السياحية.
تختلف حدة التأثير بين دولة وأخرى، تبعاً إلى درجة اعتماد الاقتصاد المحلي على السياحة، ومدى ارتباط المدن والوجهات بإنفاق الزوار. وتكون المنشآت الصغيرة والمتوسطة أكثر عرضة للضغط عندما تتراجع الحجوزات ويقل تدفق العملاء لفترات ممتدة.
وتشير تقديرات "أكسفورد إيكونوميكس"، في سيناريو يفترض انحسار التوتر خلال فترة تتراوح بين أسبوع وثلاثة أسابيع، إلى احتمال فقدان المنطقة نحو 23 مليون زائر دولي خلال عام 2026، بما يعادل قرابة 34 مليار دولار من إنفاقهم.
أما المجلس العالمي للسفر والسياحة، فيقدّر فجوة محتملة في الإنفاق تبلغ نحو 600 مليون دولار يومياً مقارنة بالتوقعات التي كانت قائمة قبل اندلاع التوترات. ولا تعني هذه الأرقام خسائر محققة بالضرورة، بل تشير إلى حجم التراجع المحتمل عن المسار الذي كان متوقعاً قبل اضطراب حركة السفر.
تبقى الكلفة النهائية مرتبطة بعدة عوامل، أبرزها مدة التوتر، وحجم التأثير في الرحلات الجوية، وسرعة عودة شركات الطيران إلى تشغيل مساراتها، إلى جانب قدرة الوجهات السياحية على استعادة ثقة المسافرين.
بالنسبة إلى المسافر، يظهر الأثر في صورة رحلات ملغاة أو مؤجلة، وخيارات سفر أقل، وتغير في الأسعار ومواعيد الرحلات. أما العاملون في السياحة، فقد يواجهون موسماً أضعف إذا استمرت الحجوزات والإنفاق في التراجع.
ولا يعني انخفاض عدد الزوار بصورة مباشرة فقدان الوظائف أو تراجع دخول العاملين، لكن استمرار ضعف الطلب يفرض ضغوطاً أكبر على المنشآت التي تعتمد بصورة أساسية على الحركة السياحية، ولا سيما الفنادق والمطاعم وشركات النقل والأنشطة الترفيهية.
وتوفر بيانات الإلغاءات وحركة الطيران والحجوزات مؤشرات مبكرة على حجم الأثر الاقتصادي، إذ يمكن لتراجع السفر أن ينتقل سريعاً من المطارات إلى القطاعات التي تستفيد من إنفاق الزوار.
في المحصلة، لا يمثل اضطراب السياحة أزمة تخص المسافرين وشركات الطيران وحدها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد المحلي وسوق العمل وتدفقات النقد الأجنبي. وكلما طال أمد التوتر، زادت احتمالات تحول التراجع المؤقت في أعداد الزوار إلى ضغط أوسع على قطاع كان قد بدأ يستعيد زخمه بقوة.
اقرأ أيضاً:تمديدات متكررة وآلية متبدلة.. ماذا يحدث لليرة السورية؟