دخلت المنافسة بين تركيا وإسرائيل مرحلة أكثر تعقيدًا خلال العامين الماضيين، بعدما تجاوزت الخلافات السياسية والدبلوماسية التقليدية لتتحول إلى صراع نفوذ يمتد من سوريا وشرق المتوسط إلى أسواق الصناعات العسكرية ومراكز صناعة القرار في واشنطن. ورغم استمرار القنوات غير المباشرة التي تحول دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فإن المؤشرات الميدانية والسياسية تظهر أن البلدين يعملان على ترسيخ مواقع متقدمة ضمن معادلات الشرق الأوسط الجديدة.
سوريا محور التنافس
برزت الساحة السورية باعتبارها نقطة الارتكاز الرئيسية في هذا التنافس بعد التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد. فأنقرة كثفت دعمها للحكومة السورية الجديدة، مع التركيز على بناء مؤسسات الدولة وتعزيز التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي، إلى جانب السعي لتوسيع شراكاتها في ملفات الطاقة والحدود البحرية.
في المقابل، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، مستهدفة مواقع عسكرية وبنى تحتية تعتبرها تهديدًا لأمنها، بالتزامن مع تعزيز انتشارها في الجنوب السوري. ويعكس هذا الواقع اختلافًا واضحًا في رؤية الطرفين لمستقبل سوريا؛ إذ تراهن تركيا على قيام سلطة مركزية مستقرة، بينما تسعى إسرائيل إلى منع ظهور بيئة استراتيجية قد تحد من حرية تحركاتها العسكرية مستقبلاً.
ويشير هذا التباين إلى أن سوريا لم تعد مجرد ساحة أمنية، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في إعادة رسم موازين النفوذ الإقليمي بين الطرفين.
المتوسط والتحالفات
لا يقتصر التنافس على الداخل السوري، بل يمتد إلى شرق المتوسط، حيث تواصل تركيا تنفيذ استراتيجيتها البحرية عبر توسيع اتفاقياتها المتعلقة بالمياه الاقتصادية، في وقت تعزز فيه إسرائيل تعاونها مع اليونان وقبرص ضمن ملفات الطاقة والأمن البحري.
كما يتجلى هذا التنافس في مناطق أخرى، بينها القرن الأفريقي، حيث عززت تركيا حضورها العسكري والاقتصادي في الصومال، بينما تعمل إسرائيل على توسيع علاقاتها مع أطراف إقليمية في المنطقة، في إطار سباق يتجاوز الحدود التقليدية للشرق الأوسط.
وتوازي هذه التحركات شبكة من التحالفات الإقليمية، إذ طورت أنقرة تعاونها مع قطر وأذربيجان وعدد من الدول العربية، فيما تعتمد إسرائيل على شراكاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة واليونان والهند، إلى جانب علاقاتها المتنامية مع بعض دول المنطقة.
سباق الصناعات الدفاعية
أصبحت الصناعات العسكرية إحدى أبرز ساحات المنافسة بين البلدين. وتمكنت تركيا خلال السنوات الأخيرة من توسيع صادراتها الدفاعية بصورة ملحوظة، مستفيدة من الانتشار الواسع للطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، التي أثبتت فعاليتها في عدة ساحات قتال، ما منح الصناعات التركية حضورًا متزايدًا في الأسواق الآسيوية والأفريقية والشرق أوسطية.
في المقابل، ما تزال إسرائيل تحتفظ بتفوقها في التقنيات العسكرية المتقدمة، خاصة في مجالات أنظمة الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، والطائرات غير المأهولة، والقدرات الاستخباراتية، وهو ما يمنحها موقعًا متقدمًا في الأسواق التي تعتمد على التكنولوجيا عالية الدقة.
ويرى مراقبون أن المنافسة العسكرية بين الجانبين لم تعد تقتصر على حجم الصادرات، بل أصبحت ترتبط أيضًا ببناء الشراكات الصناعية ونقل التكنولوجيا، وهو ما يمنح كل طرف أدوات إضافية لتعزيز نفوذه السياسي.
واشنطن.. ساحة التأثير
يشكل الموقف الأمريكي أحد أبرز عناصر التوازن في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب. فتركيا تسعى إلى استثمار تحسن علاقاتها مع الإدارة الأمريكية لتعزيز تعاونها الدفاعي، بما في ذلك ملف مقاتلات "إف-35"، بينما تواصل إسرائيل الاعتماد على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن للحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة.
وفي الوقت ذاته، يدفع الطرفان باتجاه تعزيز حضورهما داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، في ظل إدراكهما أن كثيرًا من ملفات المنطقة، وعلى رأسها سوريا، ما تزال مرتبطة بالموقف الأمريكي.
منافسة طويلة الأمد
تشير التطورات الأخيرة إلى أن التنافس التركي الإسرائيلي يتجه ليكون أحد أبرز ملامح المشهد الإقليمي خلال السنوات المقبلة، مع استمرار التباين حول ملفات سوريا وشرق المتوسط والطاقة والصناعات الدفاعية.
ورغم استبعاد مواجهة عسكرية مباشرة في المدى المنظور، بسبب تشابك المصالح الدولية والدور الأمريكي، فإن استمرار سباق النفوذ يعكس انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة الخلافات الظرفية إلى منافسة استراتيجية مفتوحة، ستظل مؤثرة في إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.