أنجزت لجنة المال والموازنة في مجلس النواب اللبناني مشروع قانون إصلاح المصارف، بعد نقاشات استمرت نحو شهر ونصف، لينتقل إلى الهيئة العامة تمهيداً لإقراره، في خطوة تمثل أحد أبرز الاستحقاقات الإصلاحية التي يضعها صندوق النقد الدولي ضمن خارطة طريقه للبنان، وسط استمرار الجدل بشأن الصيغة النهائية للقانون ومدى توافقها مع ملاحظات الصندوق.
يشكل القانون أحد الركائز الأساسية للبرنامج الإصلاحي الذي يطالب به صندوق النقد، إلى جانب قانون الانتظام المالي، الذي سيحدد آلية توزيع الخسائر واسترداد الودائع، فضلاً عن إصلاح قانون السرية المصرفية وتعزيز استقلالية القضاء. ويعتبر الصندوق أن هذه التشريعات مترابطة، إذ لا يمكن إعادة هيكلة القطاع المصرفي قبل حسم كيفية معالجة الفجوة المالية وضمان حقوق المودعين.
أكد رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان أن اللجنة ناقشت المشروع انطلاقاً من مبدأ عدم الفصل بين إعادة هيكلة المصارف وحقوق المودعين، موضحاً أن عدداً من أحكام القانون رُبط بقانون الانتظام المالي، باعتباره الجهة التي ستحدد كيفية توزيع الخسائر واستعادة الودائع، بينما يقتصر القانون الحالي على وضع الإطار المؤسساتي لإعادة هيكلة المصارف.
نفى كنعان ما تردد عن تصويت داخل اللجنة لصالح صيغة تخدم المصارف على حساب المشروع الذي أعدته الحكومة بالتعاون مع صندوق النقد، مؤكداً أن الجلسة ما قبل الأخيرة لم تشهد أي تصويت، بل خُصصت لنقاش قانوني وتقني حول إحدى المواد المتعلقة بزيادة رؤوس أموال المصارف المتعثرة.
وأوضح أن الحكومة لم تقدم مشروعاً جديداً بالكامل، وإنما أدخلت تعديلين على قانون سبق أن أقره مجلس النواب في أغسطس/آب 2025. فقد أُرسل المشروع أول مرة في ديسمبر/كانون الأول، ثم سُحب في فبراير/شباط قبل استكمال مناقشته، وأُعيد تقديمه مجدداً في يونيو/حزيران بعد إدخال ملاحظات إضافية من صندوق النقد، ليجد المجلس نفسه أمام القانون ذاته ثلاث مرات خلال أقل من عام.
اعتبر كنعان أن هذا المسار يعكس ارتباكاً في إدارة الملف أكثر مما يعكس خللاً في عمل اللجنة، مشيراً إلى أن التعديلات المتكررة على القوانين الأساسية تؤثر سلباً في استقرار البيئة التشريعية، وهو عنصر ضروري لاستعادة ثقة المستثمرين والمودعين.
لفت إلى أن نحو 90% من مواد القانون كانت محل توافق منذ البداية، وأن الملاحظات التي أضيفت لاحقاً لم تمس جوهر النص، بل انحصرت في نقاط محددة أُعيدت صياغتها بما ينسجم مع الملاحظات الواردة عبر الحكومة.
تركز الجدل على المادة الخاصة بزيادة رؤوس أموال المصارف المتعثرة، إذ استبدلت اللجنة معيار امتلاك أغلبية الأسهم بمعيار "السيطرة الفعلية" (Effective Control)، بحيث ترتبط المسؤولية بالشخص الذي يملك النفوذ الحقيقي داخل المصرف، حتى وإن لم يكن أكبر المساهمين.
استند التعديل إلى ملاحظات قدمها مصرف لبنان، الذي رأى أن ربط المسؤولية بنسبة الملكية قد يثير إشكالات دستورية، بينما يربط معيار السيطرة الفعلية المسؤولية بمن يدير المؤسسة ويتخذ قراراتها.
شدد كنعان على أن هذه المادة لا تؤثر في معالجة الأزمة الحالية، لأن مشروع الحكومة، بالتوافق مع صندوق النقد، استثنى المرحلة الراهنة من تطبيقها، وربطها بقانون الانتظام المالي، ما يعني أن جميع المساهمين سيتمكنون من الاكتتاب في زيادات رأس المال الخاصة بمعالجة الأزمة الحالية، على أن يُطبق معيار السيطرة الفعلية فقط في أي حالات تعثر مصرفي مستقبلية.
يقوم القانون على ثلاثة محاور رئيسية، أولها إعادة تشكيل الهيئة المصرفية العليا بما يتوافق مع متطلبات صندوق النقد، ومنحها الصلاحية الحصرية لاتخاذ قرار إعادة هيكلة المصارف أو تصفيتها.
يتضمن المحور الثاني تعزيز دور لجنة الرقابة على المصارف، بحيث تتولى تقييم أوضاع المصارف ورفع توصياتها إلى الهيئة المصرفية العليا، مع استبعاد رئيس اللجنة من التصويت منعاً لتضارب المصالح.
ينص المحور الثالث على تعيين مصفٍ من قبل الهيئة المصرفية العليا، يتولى إدارة عمليات التصفية وإعادة تنظيم الالتزامات، على أن تبقى الهيئة المرجعية الوحيدة المشرفة على كامل عملية إعادة الهيكلة.
ينتقل المشروع بعد إنجاز تقرير لجنة المال إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، فيما تتجه الأنظار إلى قانون الانتظام المالي، الذي يُعد الحلقة الأكثر حساسية في مسار الإصلاح، لأنه سيحدد كيفية توزيع الخسائر، وآليات استرداد الودائع، ومعالجة الفجوة المالية، وهي الملفات التي ستحدد مستقبل إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة بالنظام المالي اللبناني.