بدأت السلطات السورية مراجعة واسعة لملفات عقارات وأراضي الدولة، في إطار حملة تستهدف التدقيق في عقود الاستثمار والإيجار التي أُبرمت خلال السنوات الماضية، وسط اتهامات بوجود عمليات استيلاء على مساحات واسعة من أملاك الدولة بأسعار لا تعكس قيمتها الحقيقية.
وتتركز الحملة على حصر الأصول العامة، إعادة تقييمها، ومراجعة العقود السابقة بهدف حماية المال العام واستعادة الحقوق التي تقول الجهات الرسمية إنها تعرضت للهدر أو الاستغلال غير المشروع.
تدقيق واسع لعقارات الدولة
كشف المدير العام للهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة، عدنان القاسم، أن التحقيقات الأولية أظهرت وجود عمليات استحواذ على مئات الدونمات من الأراضي والعقارات الحكومية عبر عقود استثمارية مختلفة، بينها عقود إيجار وأجور مثل واستثمارات طويلة الأمد.
وأوضح أن بعض هذه العقارات وُضعت اليد عليها من قبل شخصيات مرتبطة بالنظام السوري السابق بأسعار وصفها بأنها منخفضة مقارنة بالقيمة الفعلية للأصول.
وأشار إلى أن الهيئة بالتعاون مع لجنة مكافحة الكسب غير المشروع وضعت اليد مؤخراً على 11 شاليهاً في محافظة اللاذقية تعود لجهات مرتبطة برموز النظام السابق.
وبحسب المعطيات الأولية، وثقت الهيئة نحو 60 ألف عقار من أملاك الدولة، فيما تتركز أبرز الملفات التي يجري التحقيق فيها في محافظتي ريف دمشق واللاذقية، إضافة إلى عقارات موزعة في مختلف المحافظات السورية.
وأكد القاسم أن حملة وطنية بدأت لمراجعة جميع عقود واستثمارات أملاك الدولة، بهدف الكشف عن أي مخالفات أو عمليات استغلال أضرت بحقوق الخزينة العامة.
ثلاثة مسارات للحملة
وتعتمد الحملة على ثلاثة محاور رئيسية:
مراجعة آليات استثمار أملاك الدولة السابقة، والتحقق من العقود التي شابها فساد أو سوء إدارة.
معالجة التعديات على العقارات العامة وإعادة النظر في أوضاع جميع الحالات المخالفة.
تحويل أملاك الدولة إلى أصول اقتصادية تساهم في دعم الاستثمار وتعزيز موارد الدولة.
مراجعة العقود ومحاسبة المخالفين
وأكدت الهيئة أن التحقيقات الأولية كشفت عن ممارسات إدارية ومالية أضرت بالمال العام، مشيرةً إلى العمل على جرد شامل لأملاك الدولة وإعادة تقييم قيمتها وفق معايير عقارية حديثة.
كما تشمل الإجراءات مراجعة العقود السابقة، والتحقق من قانونيتها، واستعادة حقوق الدولة المالية، سواء المتعلقة بفروقات الإيجارات أو عدم الالتزام بشروط العقود.
وشددت الجهات المعنية على أن أي شخص يثبت تورطه في هدر حقوق الدولة سيخضع للمساءلة القانونية وفق الإجراءات المعتمدة.
لجان ميدانية في المحافظات
وفي إطار تنفيذ الحملة، شُكلت لجان في عدد من المحافظات السورية لتدقيق عقود الإيجار والاستثمار وأجور المثل، والتحقق من مدى توافقها مع القوانين والواقع الحالي.
وستعمل هذه اللجان على مراجعة العقود التي أُبرمت دون أسس قانونية، واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق العقارات التي يثبت الاستيلاء عليها أو استغلالها بصورة غير مشروعة.
إفصاح طوعي لتسوية الأوضاع
من جهتها، دعت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع المستفيدين من أملاك الدولة إلى الإفصاح الطوعي عن أي مخالفات محتملة قبل انتهاء المهلة المحددة، مؤكدةً أن الهدف هو استرداد الحقوق العامة وليس استهداف الاستثمارات القانونية أو الأشخاص الذين تعاملوا بحسن نية.
وأوضحت اللجنة أن التحقيقات ستشمل العقود التي تتضمن شبهات غبن أو استغلال نفوذ أو عدم دفع المستحقات المالية للدولة.
اختبار لإدارة المال العام
وتأتي هذه الخطوات في إطار مسعى لإعادة تنظيم ملف الأصول العامة في سوريا، الذي يُعد من أكثر الملفات حساسية بسبب حجم العقارات والأراضي التابعة للدولة وتشابك المصالح المرتبطة بها.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الحملة سيعتمد على قدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين استعادة حقوق الدولة، وضمان الشفافية القانونية، وتحويل الأصول العامة من مصدر نزاع إلى مورد اقتصادي يخدم مرحلة إعادة الإعمار.