كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن تحذير داخلي وجّهه أحد كبار القادة العسكريين في الولايات المتحدة إلى وزارة الدفاع، محذراً من أن استمرار النقص في القطع البحرية قد يدفع الجيش الأمريكي إلى إعادة ترتيب أولوياته الدفاعية، بما يضع حماية الأراضي الأمريكية قبل مواصلة توفير المظلة الدفاعية لإسرائيل في حال استمرار التصعيد العسكري مع إيران.
وبحسب المعلومات، بعث قائد القيادة الأمريكية في أوروبا، الفريق أليكسوس غرينكيفيتش، مذكرة سرية إلى كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، أوضح فيها أن قدرات قواته البحرية تواجه ضغوطاً متزايدة، وأن استمرار المهام الحالية دون تعزيز الأسطول بمدمرة إضافية قد يجبر القيادة العسكرية على تقليص الموارد المخصصة للدفاع عن إسرائيل وإعادة توجيهها لحماية المصالح الأمريكية المباشرة.
ويعكس هذا التحذير، وفق مسؤولين أمريكيين، حجم الضغوط التي تواجهها القوات البحرية الأمريكية في ظل تعدد الجبهات والالتزامات العسكرية، إذ تُرفع مثل هذه المذكرات عندما ترى القيادات الميدانية أن الإمكانات المتاحة لم تعد تتناسب مع حجم المهام المطلوبة، الأمر الذي يستدعي قرارات من المستويات السياسية والعسكرية العليا.
ولم تصدر وزارة الدفاع الأمريكية تعليقاً رسمياً على ما ورد في التقارير، كما لم تعلن القيادة الأمريكية في أوروبا أي موقف بشأن المذكرة، في حين لم يصدر تعليق رسمي من الجانب الإسرائيلي.
استنزاف متواصل للقدرات العسكرية
تأتي هذه التطورات مع استمرار المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران منذ عدة أشهر، حيث أدى تصاعد الهجمات الصاروخية إلى استهلاك متزايد لمنظومات الدفاع الجوي والذخائر الاعتراضية، وهو ما فرض ضغوطاً إضافية على القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
كما ازدادت أعباء البحرية الأمريكية بعد اتساع نطاق العمليات في الخليج والبحر المتوسط والبحر الأحمر، بالتزامن مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على حركة التجارة العالمية ورفع مستوى الاستنفار العسكري لحماية خطوط الملاحة الدولية.
وتؤدي المدمرات الأمريكية المنتشرة في شرق البحر المتوسط دوراً رئيسياً في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف إسرائيل، مستفيدة من أنظمة الرصد والاعتراض المتطورة التي تحملها، فيما تتولى القيادة الأمريكية في أوروبا إدارة هذه العمليات إلى جانب مسؤولياتها المتعلقة بالردع في القارة الأوروبية ومراقبة التحركات العسكرية الروسية.
ورغم امتلاك الأسطول الأمريكي في أوروبا عدداً من المدمرات المتمركزة في قاعدة روتا الإسبانية، فإن استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة أدى إلى زيادة الحاجة لأعمال الصيانة وارتفاع الضغط على الأطقم البحرية، ما أثار مخاوف بشأن القدرة على الحفاظ على مستوى الانتشار الحالي لفترات طويلة.
واشنطن تتحمل العبء الأكبر
وتشير تقديرات عسكرية أمريكية إلى أن القوات الأمريكية لعبت الدور الأكبر في اعتراض الصواريخ الموجهة نحو إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مع اعتماد واسع على منظومات دفاعية أمريكية، من بينها منظومة "ثاد" وقدرات الاعتراض البحرية، وهو ما أدى إلى استهلاك كبير للمخزون العسكري الأمريكي.
وفي إطار الانتشار العسكري، واصلت الولايات المتحدة تعزيز وجودها البحري في عدة مناطق، حيث تنتشر مدمرات في البحر المتوسط، بينما تتمركز حاملات طائرات وسفن حربية أخرى في بحر العرب لدعم العمليات ومراقبة التطورات الإقليمية، إضافة إلى استمرار انتشار قطع بحرية في البحر الأحمر لحماية الملاحة التجارية.
انقسام سياسي داخل الولايات المتحدة
بالتوازي مع الضغوط العسكرية، يتصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن استمرار الانخراط في الصراع، مع تزايد الأصوات المطالبة بوضع استراتيجية واضحة لإنهاء المواجهة وتقليل الأعباء العسكرية والاقتصادية.
وأصبح هذا الملف محل نقاش داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، في ظل مخاوف من تأثير استمرار الحرب على الاقتصاد الأمريكي، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة والسلع، وما قد ينعكس على المزاج الانتخابي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
كما أظهرت مواقف عدد من النواب الديمقراطيين اتجاهاً متزايداً لإعادة النظر في حجم المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل، في ظل تصاعد الانتقادات المرتبطة بالحرب على قطاع غزة، إذ دعم أكثر من مئة نائب ديمقراطي مقترحاً يدعو إلى وقف المساعدات العسكرية السنوية، بينما يفضل تيار آخر الإبقاء على الدعم المخصص للمنظومات الدفاعية فقط.
ويرى مراقبون أن استمرار المواجهة الإقليمية أسهم في تعميق الانقسام السياسي داخل الولايات المتحدة بشأن طبيعة العلاقة مع إسرائيل، بعد أن تحول هذا الملف إلى أحد أبرز محاور النقاش في السياسة الأمريكية، سواء داخل الكونغرس أو في أوساط التيارات الحزبية المختلفة.