الانتخابات المبكرة في لبنان.. هل تتحول الدعوات إلى واقع؟

2026.08.01 - 10:15
Facebook Share
طباعة

أعاد تعطل جلسة مجلس النواب اللبناني في 17 يوليو الجدل بشأن مستقبل المؤسسة التشريعية وإمكانية إجراء انتخابات نيابية مبكرة، بعدما تحول الخلاف حول جدول أعمال الجلسة إلى نقاش أوسع يتناول شرعية المجلس الممددة ولايته، وحدود قدرته على إدارة المرحلة السياسية الحالية.

 

جاءت التطورات بعد سقوط نصاب الجلسة المخصصة لمناقشة قانون العفو العام، إثر انسحاب كتلة "الجمهورية القوية" احتجاجاً على رفض تقديم بند العفو على اقتراح إلغاء عقوبة الإعدام، ما أدى إلى تأجيل البحث في المشروع، وأعاد طرح تساؤلات حول قدرة المجلس على مواصلة أداء مهامه التشريعية والرقابية.

 

وتزامن ذلك مع تجديد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع دعوته إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة، موضحاً أن موقفه لا يرتبط فقط بما شهدته الجلسة الأخيرة، وإنما أيضاً بالحملات التي تشكك، بحسب قوله، في شرعية رئيس الجمهورية والحكومة وحقهما في إدارة المفاوضات والسير في ما وصفه بـ"مسار واشنطن"، معتبراً أن أداء المجلس النيابي خلال الجلسات الأخيرة عزز مبررات هذا الطرح.

 

وتأتي هذه الدعوة بعد أشهر من قرار مجلس النواب، في 9 مارس، تمديد ولايته لمدة سنتين وتأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في مايو، استناداً إلى الظروف الأمنية المرتبطة بالحرب، وما رافقها من نزوح ودمار وصعوبات لوجستية حالت دون تنظيم الاستحقاق الانتخابي.

 

رغم أن التمديد قُدم باعتباره إجراءً استثنائياً يهدف إلى تجنب الفراغ التشريعي، فإن استمرار المجلس لا يرتبط، وفق القراءة الدستورية، ببقائه القانوني فقط، بل بقدرته على ممارسة صلاحياته في التشريع، ومراقبة الحكومة، وإقرار القوانين الأساسية، وهو ما أعادته جلسة 17 يوليو إلى واجهة النقاش، بعدما أظهرت قدرة المجلس على إقرار بعض البنود، مقابل تعثره في معالجة الملفات الخلافية.

 

يعد إسقاط النصاب والانسحاب من الجلسات من الأدوات السياسية المعروفة في النظام البرلماني اللبناني، إذ استخدمت مراراً خلال السنوات الماضية لمنع انتخاب رئيس للجمهورية أو تعطيل إقرار ملفات سياسية وتشريعية كبرى، إلا أن الانتقال من استخدام هذه الوسائل في إطار خلاف محدد إلى المطالبة بانتخابات مبكرة ينقل النقاش من الاعتراض على إدارة جلسة بعينها إلى التشكيك في قدرة المجلس الحالي على الاستمرار.

 

ولا يمنح الدستور اللبناني أي كتلة نيابية صلاحية إنهاء ولاية مجلس النواب بصورة منفردة، كما أن استقالة عدد من النواب لا تؤدي تلقائياً إلى حل المجلس، إذ تُملأ المقاعد الشاغرة عبر انتخابات فرعية.

 

يحدد الدستور مسارين فقط للوصول إلى انتخابات مبكرة. ويتمثل المسار الأول في إقرار المجلس نفسه قانوناً يقصر ولايته ويحدد موعداً جديداً للانتخابات، وهو الخيار الذي اكتسب زخماً بعد قرار المجلس الدستوري برد الطعون المقدمة ضد قانون التمديد، مع تأكيده أن على مجلس النواب المبادرة إلى تقصير ولايته فور زوال الظروف الاستثنائية التي بررت التأجيل.

أما المسار الثاني، فيرتبط بالمادة 55 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية حق طلب حل مجلس النواب عبر مجلس الوزراء، ضمن حالات محددة وردت في المادتين 65 و77.

 

وتنص المادة 65 على إمكانية حل المجلس إذا امتنع، من دون أسباب قاهرة، عن الاجتماع طوال عقد عادي كامل أو عقدين استثنائيين متتاليين لا تقل مدة كل منهما عن شهر، بينما تتعلق المادة 77 بحالة الخلاف حول تعديل الدستور، وهي لا تنطبق على النقاش الحالي.

 

واستناداً إلى هذه النصوص، لا يشكل سقوط نصاب جلسة واحدة أو تعطل جلسات متفرقة سبباً دستورياً كافياً لحل مجلس النواب، ما دام المجلس يواصل عقد جلساته ويمارس جانباً من صلاحياته، الأمر الذي يجعل الدعوات السياسية إلى الانتخابات المبكرة غير كافية وحدها لفتح هذا المسار.

 

تبقى الطريق الأقرب قانونياً هي إقرار قانون جديد يقصر الولاية الممددة، إلا أن ذلك يتطلب موافقة أكثرية نيابية، وهو ما يضع أصحاب الدعوة أمام مفارقة تتمثل في أن المجلس الذي مُددت ولايته هو نفسه الجهة المخولة دستورياً بإنهاء هذا التمديد.

 

ويأتي طرح الانتخابات المبكرة أيضاً في سياق قراءة سياسية تعتبر أن الظروف التي دفعت إلى تأجيل الانتخابات قبل أشهر ربما تغيرت، وأن المجلس المنتخب عام 2022 لم يعد، وفق مؤيدي هذا الطرح، يعكس موازين القوى الحالية بعد الحرب والتحولات الإقليمية.

 

يرى مراقبون عدم وجود ضمانات بأن تؤدي أي انتخابات جديدة إلى تغيير الخريطة السياسية، إذ يبقى المزاج الانتخابي رهناً بخيارات الناخبين، كما أن ربط الانتخابات المبكرة بالتطورات الدولية أو بما يسمى "مسار واشنطن" لا يستند حتى الآن إلى مؤشرات أو مواقف خارجية تؤكد وجود توجه لإعادة تشكيل السلطة اللبنانية.

 

وإلى جانب التحديات السياسية والدستورية، يتطلب تنظيم انتخابات مبكرة حسم مجموعة من الملفات الإجرائية، من بينها تحديد ما إذا كانت ستجرى وفق القانون الانتخابي الحالي أو بعد تعديله، وتأمين الجاهزية الإدارية والمالية والأمنية، ومعالجة أوضاع الدوائر التي تأثرت بالحرب والنزوح والدمار.

 

وتشير المعطيات الحالية إلى أن دعوات الانتخابات المبكرة نجحت في نقل النقاش من أزمة جلسة برلمانية إلى جدل أوسع حول شرعية المجلس الممددة ولايته، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى مسار عملي، في ظل غياب الشروط الدستورية اللازمة لحل المجلس، وعدم توافر أغلبية نيابية تؤيد تقصير ولايته وإعادة الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 5 + 3

Lire aussi