تنتهي، الخميس، المهلة المحددة لاستبدال الأوراق النقدية السورية القديمة، لتفقد اعتبارًا من 31 تموز قوتها القانونية في التداول، بعد عملية استبدال استمرت عدة أشهر وشهدت تمديدات متتالية بهدف منح المواطنين فرصة إضافية لتبديل ما بحوزتهم من عملات قديمة.
ومع انتهاء المهلة، لن يعود بإمكان المواطنين استبدال الأوراق القديمة عبر المصارف وشركات الصرافة، إذ ستقتصر العملية خلال السنوات الخمس المقبلة على مصرف سوريا المركزي في دمشق، وفق ضوابط جديدة تشمل تقديم طلب رسمي، وإيداع ما لا يقل عن مئة ورقة نقدية، وإخضاعها للتدقيق قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة.
ولا يقتصر إغلاق باب الاستبدال على كونه إجراءً إداريًا لإنهاء تداول العملة القديمة، بل يمثل مرحلة جديدة في إدارة السياسة النقدية، إذ تسعى السلطات إلى حصر الكتلة النقدية المتداولة، وتقليص التداول النقدي خارج القطاع المصرفي، وتعزيز الرقابة على حركة الأموال.
قياس الكتلة النقدية
بدأت عملية استبدال العملة مطلع عام 2026 ضمن خطة تهدف إلى إنهاء تداول الأوراق القديمة وتوحيد العملة المتداولة في الأسواق، بعدما أدى وجود فئتين من الأوراق إلى تعقيد العمليات التجارية وزيادة الأعباء التشغيلية.
وأظهرت بيانات مصرف سوريا المركزي خلال مراحل التنفيذ ارتفاع نسبة الأموال المستبدلة تدريجيًا، بعدما تجاوزت في الأشهر الأخيرة ثلاثة أرباع الكتلة النقدية المستهدفة، في حين بقي جزء من العملة القديمة خارج عملية الاستبدال لأسباب تتعلق بوجودها خارج البلاد أو احتفاظ بعض المواطنين بها.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن العملية وفرت للمصرف المركزي فرصة لتقدير الحجم الحقيقي للسيولة المتداولة بعد سنوات من الحرب، والخسائر التي لحقت بالأوراق النقدية، وخروج كميات منها خارج الدورة الاقتصادية.
ويشير هؤلاء إلى أن معرفة حجم النقد المتداول تمثل خطوة مهمة في رسم السياسة النقدية، لكنها لا تعني بالضرورة نجاح السلطات في استقطاب الأموال إلى الجهاز المصرفي، إذ إن معظم عمليات الاستبدال تمت مقابل الحصول على أوراق جديدة دون إلزام أصحابها بإبقائها داخل المصارف.
مرحلة أكثر تشددًا
يدخل استبدال العملة بعد انتهاء المهلة مرحلة مختلفة تعتمد على التدقيق المركزي، حيث تصبح جميع الطلبات محصورة بمصرف سوريا المركزي، مع إلزام أصحاب الأموال بتقديم هوياتهم وفتح حسابات مصرفية لتحويل قيمة الأوراق المستبدلة.
ويرى خبراء أن هذه الآلية تمنح السلطات قدرة أكبر على توثيق العمليات المالية ومراجعة الحالات التي تستدعي التدقيق، خاصة بالنسبة للمبالغ الكبيرة، إلا أنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن استبدال العملة لا يشكل بحد ذاته وسيلة كافية لمكافحة غسل الأموال أو كشف جميع الثروات غير المشروعة.
ويحذر اقتصاديون من أن التشدد في إجراءات الاستبدال قد يدفع بعض المواطنين إلى الاحتفاظ بالأموال أو تجزئة المبالغ لتفادي التدقيق، مؤكدين أن نجاح هذه المرحلة يتطلب قواعد واضحة وشفافة تضمن حماية أصحاب الأموال القانونية وعدم تعقيد الإجراءات.
تأثير محدود على الأسعار
ويجمع خبراء الاقتصاد على أن استبدال الأوراق النقدية لا يؤدي بحد ذاته إلى تحسين القوة الشرائية أو خفض معدلات التضخم، لأن تغيير شكل العملة أو فئاتها لا يغير القيمة الفعلية للأجور والأسعار.
لكنهم يشيرون إلى احتمال ظهور زيادات محدودة في الأسعار نتيجة تقريب الأرقام عند إعادة التسعير، وهو ما قد يمنح بعض التجار فرصة لرفع الأسعار بصورة غير مباشرة، الأمر الذي يتطلب رقابة فعالة خلال المرحلة الانتقالية.
ويرى مختصون أن التحديات الأساسية التي تواجه الاقتصاد السوري لا ترتبط بشكل العملة، وإنما تستمر في التأثر بسعر الصرف، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والاعتماد الكبير على الاستيراد، وضعف النشاط الإنتاجي المحلي.
التحدي المقبل
ويرى مراقبون أن نجاح عملية استبدال العملة لن يقاس فقط بعدد الأوراق التي خرجت من التداول، وإنما بقدرة السلطات على إعادة جزء أكبر من السيولة إلى القطاع المصرفي، بما يتيح للمصرف المركزي إدارة السياسة النقدية بصورة أكثر فاعلية.
ويؤكد خبراء أن تحقيق هذا الهدف يتطلب إصلاحات مصرفية أوسع، تشمل تعزيز الثقة بالمصارف، وتطوير خدمات الدفع الإلكتروني، وتحسين بيئة الاستثمار، إضافة إلى توفير أدوات مالية تشجع المواطنين على الاحتفاظ بمدخراتهم داخل النظام المصرفي بدلًا من تحويلها إلى الدولار أو الذهب أو الاحتفاظ بها خارج البنوك.