أعاد عبور الطائرة الحكومية الإسرائيلية التي أقلت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة فتح النقاش بشأن مدى التزام الدول الأوروبية الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية بتنفيذ التزاماتها القانونية، بعدما مرت الرحلة عبر أجواء عدد من الدول المنضمة إلى نظام روما الأساسي، رغم أن نتنياهو مطلوب بموجب مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة.
ووصل نتنياهو إلى قاعدة أندروز المشتركة قرب العاصمة الأمريكية واشنطن، بعد رحلة استغرقت أكثر من 12 ساعة على متن الطائرة الحكومية المعروفة باسم "جناح صهيون"، في زيارة مخصصة لإجراء مباحثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتناول عددا من الملفات الإقليمية، يتقدمها الملف الإيراني والحرب على قطاع غزة.
وأظهرت بيانات الملاحة الجوية أن الطائرة أقلعت من قاعدة نيفاتيم الجوية قرب بئر السبع، قبل أن تتجه فوق البحر المتوسط، ثم تعبر الأجواء اليونانية والإيطالية والفرنسية، لتواصل رحلتها عبر المحيط الأطلسي وصولا إلى الأجواء الكندية، ومنها إلى الولايات المتحدة.
وأثار هذا المسار موجة واسعة من التساؤلات، باعتبار أن الدول الأوروبية التي عبرت الطائرة أجواءها أطراف في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، والذي ينص على التعاون مع المحكمة في تنفيذ أوامرها، بما في ذلك مذكرات التوقيف الصادرة بحق المطلوبين.
وتعود القضية إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، وهو القرار الذي أثار آنذاك انقساما سياسيا وقانونيا بين الدول الغربية بشأن آليات التعامل معه.
وتداول ناشطون ومتابعون على منصات التواصل الاجتماعي تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الدول كانت ستتعامل بالطريقة نفسها لو كان الشخص المطلوب للمحكمة مسؤولا من دولة أخرى لا تتمتع بنفس مستوى الدعم السياسي الذي تحظى به إسرائيل لدى عدد من الحكومات الغربية.
ورأى منتقدون أن السماح للطائرة بعبور الأجواء الأوروبية يعكس، من وجهة نظرهم، ازدواجية في تطبيق القانون الدولي، معتبرين أن المواقف المعلنة الداعمة للمحكمة الجنائية الدولية لا تنعكس دائما في الممارسات العملية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
كما أعاد الجدل تسليط الضوء على العلاقة المعقدة بين الالتزامات القانونية للدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية وبين اعتبارات السياسة الخارجية والتحالفات الإستراتيجية، خاصة في الملفات المرتبطة بالشرق الأوسط.
وفي السياق نفسه، تداول مستخدمون تعليقات اعتبرت أن الاتحاد الأوروبي يواجه اختبارا جديدا في ما يتعلق بمدى التزامه بالمؤسسات القضائية الدولية التي يؤكد باستمرار دعمه لها، مشيرين إلى أن السماح للطائرة الإسرائيلية بعبور الأجواء الأوروبية أثار انتقادات واسعة بشأن تطبيق المعايير القانونية بصورة متساوية.
وركزت بعض التعليقات على أن الجدل لا يتعلق فقط بحرية عبور الطائرة، بل بما إذا كانت الحكومات الأوروبية مستعدة لتطبيق الالتزامات التي يفرضها نظام روما الأساسي بصورة متسقة، بعيدا عن الاعتبارات السياسية.
ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول الأوروبية نقاشات متزايدة حول الحرب في قطاع غزة، وسط تباين في المواقف الرسمية بشأن آليات إنهاء الحرب، ومستقبل العملية السياسية، ودور المؤسسات القضائية الدولية في ملاحقة الانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
وبينما لم تصدر أي مواقف رسمية من الدول التي عبرت الطائرة أجواءها بشأن هذه الانتقادات، فإن القضية أعادت إلى الواجهة النقاش الدائر حول حدود التزامات الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وإلى أي مدى يمكن أن تؤثر الحسابات السياسية والدبلوماسية على تنفيذ تلك الالتزامات في القضايا الحساسة.