غوتيريش في دمشق.. رسائل دولية حول سيادة سوريا وإعادة الإعمار

2026.07.26 - 12:30
Facebook Share
طباعة

تمثل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق محطة مفصلية في مسار العلاقة بين سوريا والمنظمة الدولية، باعتبارها أول زيارة من نوعها لأمين عام للأمم المتحدة منذ عام 2009، وتأتي في توقيت تشهد فيه البلاد مرحلة مختلفة سياسيًا ودبلوماسيًا بعد سنوات طويلة من الحرب.

 

وتكتسب الزيارة أهمية تتجاوز الجانب الرسمي، إذ جاءت في ظل تحولات متسارعة في موقع سوريا داخل المنظومة الدولية، عقب مشاركة الرئيس أحمد الشرع في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ورفع العلم السوري الجديد في مقر المنظمة، ما عكس بداية انفتاح أممي على مرحلة ما بعد الحرب.

 

وخلال مباحثاته في دمشق، تصدرت ملفات إعادة الإعمار، ودعم المرحلة الانتقالية، وعودة اللاجئين، والتطورات الأمنية في الجنوب السوري، أجندة اللقاءات بين غوتيريش والمسؤولين السوريين، في وقت تسعى فيه دمشق إلى تثبيت مبدأ السيادة الوطنية مع الحصول على دعم دولي لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

 

من إدارة الأزمة إلى مرحلة التعافي

شهدت العلاقة بين دمشق والأمم المتحدة خلال الأشهر الماضية تغيرًا تدريجيًا، بعدما اتسمت في مراحل سابقة بالتوتر والخلاف حول طبيعة الدور الأممي في الملف السوري.

 

وكانت الحكومة السورية قد رفضت في وقت سابق مقترحات أممية تضمنت جوانب سياسية ودستورية وأمنية، معتبرة أنها تتجاوز الإطار الإنساني للمنظمة. إلا أن المسار تغير لاحقًا مع انتقال التركيز نحو دعم الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، والمشاريع التنموية المرتبطة بمرحلة التعافي.

 

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس توجهًا أمميًا للانتقال من مقاربة إدارة الأزمة إلى دعم الاستقرار وإعادة البناء، خصوصًا مع تزايد القناعة الدولية بأن استقرار سوريا يرتبط بصورة مباشرة بأمن المنطقة.

 

إعادة الإعمار في صدارة الأولويات

احتل ملف إعادة الإعمار موقعًا أساسيًا خلال زيارة غوتيريش، في ظل حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب والحاجة إلى استثمارات واسعة لإعادة تأهيل القطاعات الحيوية.

 

ويقول باحثون في العلاقات الدولية إن الزيارة تمنح الأمم المتحدة فرصة لتقييم الاحتياجات الفعلية على الأرض، وإعادة توجيه برامجها الإنسانية والتنموية بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب.

 

ويرى محللون أن سوريا تحتاج إلى شراكة دولية واسعة لإعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية، لكن من دون فرض مسارات سياسية خارجية، في وقت تؤكد فيه دمشق رغبتها في التعاون الدولي ضمن إطار يحافظ على سيادتها.

 

كما أن دعوة غوتيريش المجتمع الدولي للمساهمة في إعادة إعمار سوريا تحمل رسالة بأن استقرار البلاد لم يعد ملفًا داخليًا فقط، بل أصبح مرتبطًا بالتوازنات الإقليمية والأمن الدولي.

 

الجولان والجنوب السوري... حدود الدور الأممي

إلى جانب الملف الاقتصادي، حملت الزيارة رسائل سياسية، خصوصًا مع تأكيد غوتيريش موقف الأمم المتحدة بشأن الجولان السوري المحتل والدعوة إلى احترام القانون الدولي.

 

ويرى خبراء أن هذا الموقف يمثل دعمًا سياسيًا لسوريا، إلا أن قدرة الأمم المتحدة على التأثير تبقى محدودة في الملفات الأمنية، خصوصًا في ظل الخلافات داخل مجلس الأمن وتباين مواقف القوى الكبرى.

 

كما يقتصر دور المنظمة في الجنوب السوري بدرجة كبيرة على متابعة عمل قوات فض الاشتباك والحفاظ على ترتيبات المنطقة العازلة، دون امتلاك أدوات مباشرة لفرض تغييرات ميدانية.

 

عودة اللاجئين والمرحلة الانتقالية

ناقشت لقاءات غوتيريش أيضًا ملفات العدالة الانتقالية، وبناء المؤسسات، وصياغة إطار دستوري، إضافة إلى ظروف عودة اللاجئين السوريين.

 

ويشير مختصون إلى أن العودة الواسعة للاجئين ترتبط بتوفر عوامل عدة، أبرزها الأمن، وتحسن الظروف الاقتصادية، ووجود برامج لإعادة تأهيل المناطق المتضررة.

 

كما تلعب مشاريع التنمية المحلية دورًا في دعم الاستقرار، من خلال توفير فرص العمل وإعادة تشغيل القطاعات المتوقفة، وهو ما تسعى إليه برامج الأمم المتحدة في عدد من المناطق السورية.

 

شراكة دولية بشروط سورية

ورغم الإشارات الإيجابية التي رافقت زيارة غوتيريش، يرى مراقبون أن حجم الدعم الدولي لا يزال أقل من الاحتياجات الفعلية لمرحلة إعادة البناء.

 

وتبقى قدرة الأمم المتحدة على توسيع دورها مرتبطة بمواقف القوى الدولية الكبرى، في ظل استمرار التنافس السياسي حول مستقبل سوريا.

 

وبذلك، تبدو زيارة غوتيريش خطوة باتجاه مرحلة جديدة في علاقة دمشق بالمنظمة الدولية، تقوم على دعم التعافي وإعادة الإعمار، مع استمرار النقاش حول حدود الدور السياسي للأمم المتحدة وطبيعة الشراكة المطلوبة خلال المرحلة المقبلة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 10 + 10