الحسكة بين الاحتقان الميداني وبطء مسار الاندماج

2026.07.23 - 11:09
Facebook Share
طباعة

 احتقان ميداني في مرحلة انتقالية حساسة

تشهد محافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا حالة من التوتر المتزايد، وسط تطورات أمنية وميدانية أعادت تسليط الضوء على صعوبات المرحلة الانتقالية المرتبطة بإعادة ترتيب المؤسسات وتنفيذ تفاهمات الاندماج بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

وجاءت هذه التطورات بعد احتجاجات شهدتها مدينة رأس العين خلال زيارة محافظ الحسكة نور الدين أحمد للمدينة، بالتزامن مع حالة انتشار أمني لقسد داخل مدينة الحسكة، وتصاعد الخطاب المتبادل بين الأطراف المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتعكس الأحداث الأخيرة حجم التعقيدات التي تواجه المحافظة، التي تضم مكونات اجتماعية متعددة، وتشهد منذ سنوات انقساماً في إدارة الملفات الأمنية والخدمية، إضافة إلى خلافات حول شكل المرحلة المقبلة وطبيعة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات الجديدة.

 

احتجاجات خلال زيارة المحافظ

شهدت مدينة رأس العين احتجاجات أثناء زيارة محافظ الحسكة للمشاركة في افتتاح محطة مياه علوك، التي تعد من أبرز مصادر المياه التي تغذي مدينة الحسكة ومناطق واسعة من ريفها.

وبحسب مصادر محلية، اعترض محتجون موكب المحافظ وطالبوا بمغادرته المدينة، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي لمحاولة احتواء الموقف ومنع تصاعد التوتر.

وتأتي زيارة المحافظ في ظل أهمية محطة علوك، التي شهدت خلال السنوات الماضية توقفات متكررة أثرت على وصول المياه إلى مئات آلاف السكان، ما جعل ملف المياه والخدمات أحد أبرز القضايا الحساسة في المحافظة.

ويرتبط الاحتقان الحالي بمجموعة ملفات متداخلة، أبرزها مستقبل الإدارة المحلية، ووضع المؤسسات الأمنية والعسكرية، وآليات تنفيذ التفاهمات التي تم الإعلان عنها بين دمشق وقسد.

 

استنفار أمني في مدينة الحسكة

وقبل ساعات من احتجاجات رأس العين، شهدت مدينة الحسكة انتشاراً أمنياً وعسكرياً لقسد، حيث شوهدت دوريات تجوب عدداً من أحياء المدينة، إلى جانب تحركات باتجاه منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي.

وتحدثت مصادر محلية عن مرور رتل عسكري تابع لقسد داخل المدينة، يضم آليات وعناصر، ويحمل أعلاماً كردية وصوراً لعبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، وسط ترديد شعارات مؤيدة للقوات.

كما أقيمت حواجز في بعض المناطق، بينها محيط دار الصناعة ودوار الحمامة والمنطقة الواقعة بين الجسرين.

في المقابل، نفت قيادة الأمن الداخلي في محافظة الحسكة وجود أي استنفار أو استهداف للحواجز، مؤكدة أن المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي غير دقيقة، ودعت السكان إلى الاعتماد على المصادر الرسمية.

وجاء النفي بعد تداول أخبار عن توترات في مناطق تل براك وتل حميس بريف الحسكة الشرقي.

 

حادثة إخلاء منزل تزيد الاحتقان

تزامنت التطورات الأمنية مع حالة جدل واسعة إثر حادثة إخلاء منزل في حي الطلائع بمدينة الحسكة، بعد أن تحدث ناشطون عن قيام قوات "الأسايش" التابعة لقسد بإجبار عائلة عربية مؤلفة من عشرة أفراد على مغادرة منزلها.

وبحسب ما تم تداوله، استند قرار الإخلاء إلى قرار صادر عن بلدية الحسكة التابعة للإدارة الذاتية، قالت إنه مرتبط بحكم صادر عن منظومتها القضائية.

وأثارت الحادثة ردود فعل متباينة، حيث اعتبر بعض الناشطين أنها تحمل أبعاداً مرتبطة بالهوية والانتماء السياسي، بينما لم تقدم الجهات التابعة لقسد توضيحاً تفصيلياً حول القضية.

كما تداول ناشطون بياناً منسوباً إلى جهة تطلق على نفسها "مجلس الشورى لأبناء الحسكة الأحرار"، دعا إلى تجمعات احتجاجية، وتحدث عن خطوات تصعيدية، دون إمكانية التحقق بشكل مستقل من الجهة التي تقف خلف البيان.

 

تصاعد الاستقطاب بين المكونات

ساهمت الحملات الإعلامية والمواقف المتبادلة على مواقع التواصل الاجتماعي في زيادة حدة الاستقطاب داخل المحافظة، حيث انتقلت الخلافات من الفضاء الإلكتروني إلى تحركات ميدانية.

وفي مدينة القامشلي، تجمع عدد من عناصر "الشبيبة الثورية" التابعة لقسد، وأصدروا بياناً رفضوا فيه ما وصفوه بمحاولات زعزعة الاستقرار في المنطقة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الحسكة تغيرات مرتبطة بخريطة السيطرة والإدارة، بعد تحولات ميدانية خلال الأشهر الماضية، دفعت قسد إلى التركيز على المدن الرئيسية، بينما توسعت مؤسسات الدولة في مناطق أخرى.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلنت الحكومة السورية وقسد التوصل إلى تفاهمات تقضي بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

لكن تنفيذ هذه التفاهمات واجه عقبات تتعلق بآليات الدمج، ومستقبل مؤسسات الإدارة الذاتية، وطبيعة الصلاحيات التي ستحتفظ بها الأطراف المختلفة.

 

قرارات إدارية تثير نقاشاً واسعاً

زادت القرارات الإدارية الجديدة الخاصة بمحافظة الحسكة من النقاش حول مستقبل الإدارة المحلية، بعدما أعلنت وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت لمجلس المحافظة، وتكليف مسؤولين في عدد من المناطق والنواحي.

وقالت الوزارة إن الخطوات تأتي بهدف إعادة تنظيم العمل الإداري وتحسين أداء المؤسسات.

لكن بعض الناشطين أبدوا تحفظات حول آليات اختيار الشخصيات الجديدة، وطالبوا بمشاركة أوسع لمختلف المكونات الاجتماعية والسياسية في المحافظة.

ويرى سكان الحسكة أن المرحلة الحالية تحتاج إلى نموذج إداري يراعي التنوع السكاني للمحافظة التي تضم عرباً وكرداً وسرياناً وآشوريين وغيرهم، بعد سنوات طويلة من الانقسام الأمني والإداري.

 

تراكمات سياسية وخدمية خلف التوتر

يرى ناشطون ومتابعون للشأن المحلي أن ما يحدث في الحسكة لا يرتبط بحادثة واحدة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وخدمية.

ويشير ناشطون إلى أن بطء تنفيذ اتفاق الاندماج ساهم في زيادة حالة عدم اليقين، خصوصاً مع استمرار الخلافات حول توزيع الصلاحيات ومستقبل المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية.

كما أن ضعف الخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء وصحة وتعليم، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل، ساهم في زيادة الضغوط الاجتماعية لدى السكان.

ويرى خبراء اجتماعيون أن تراجع الخدمات وغياب الثقة بالمؤسسات يفتح المجال أمام انتشار الشائعات وتصاعد الخطابات المرتبطة بالهوية والانتماء.

ويؤكدون أن معالجة التوتر في الحسكة لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية فقط، بل تحتاج إلى تحسين الظروف المعيشية، وتعزيز الشفافية، وضمان مشاركة مختلف مكونات المحافظة في إدارة المرحلة الجديدة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 1 + 5