من المصالحة إلى اللامركزية... لماذا تعثرت مسارات السويداء؟

2026.07.20 - 08:50
Facebook Share
طباعة

بعد الأحداث الأمنية الدامية التي شهدتها محافظة السويداء خلال تموز/يوليو 2025، ظهرت سلسلة من المبادرات السياسية والمدنية والاجتماعية التي حملت مقترحات مختلفة لمعالجة الأزمة، في ظل استمرار التوترات الداخلية وصعوبة الوصول إلى صيغة توافقية تنهي حالة الانقسام وتمنع انتقال المحافظة إلى مرحلة أكثر تعقيداً.

 

ورغم اختلاف الجهات التي طرحت هذه المبادرات، فقد تقاطعت معظمها حول مجموعة من العناوين الرئيسية، أبرزها الحفاظ على وحدة سوريا، رفض أي مشاريع تقسيم، إعادة تفعيل دور مؤسسات الدولة، تحقيق السلم الأهلي، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، مع اختلاف واضح في طبيعة الآليات المقترحة لإدارة المرحلة المقبلة.

 

مبادرات متعددة... وهدف واحد
"التيار الثالث".. مسار مدني خارج الاستقطاب

برزت مبادرة "التيار الثالث" كأحد المسارات المدنية الحديثة داخل المحافظة، حيث طرحها عدد من الأكاديميين والمثقفين والناشطين بهدف إنشاء إطار مدني بعيد عن الاستقطاب بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة المحلية.

 

وتدعو المبادرة إلى تشكيل هيئة مدنية تهدف إلى حماية المجتمع، وتوثيق الانتهاكات، والمساهمة في إعادة بناء الثقة بين الأهالي ومؤسسات الدولة، مع التأكيد على رفض أي مشاريع انفصالية أو ارتباطات خارجية.

 

وتضمنت أبرز أولوياتها:

محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات عبر إجراءات قانونية علنية.
تحميل الجهات الرسمية مسؤولية حماية المدنيين والتحقيق في أحداث تموز.
إعادة المهجرين إلى مناطقهم.
معالجة ملف المختطفين.


تعويض المتضررين.
دعم عودة الطلاب إلى الجامعات.
اعتماد اللامركزية الإدارية ضمن إطار الدولة السورية.
حصر استخدام السلاح ومنع توظيفه في النزاعات الداخلية.

 

وأكد القائمون عليها أنها لا تهدف إلى إنشاء سلطة بديلة، بل تسعى إلى فتح نقاش مدني حول مستقبل المحافظة وإيجاد أرضية مشتركة للحل.

 

المصالحة المجتمعية
مبادرة أهلية لرأب الانقسام

بالتوازي مع المسار المدني، ظهرت مبادرات أهلية ركزت على معالجة الشرخ الاجتماعي داخل المحافظة، خصوصاً بين مختلف المكونات المحلية والعشائر.

 

وركز هذا المسار على أن أي حل مستدام يجب أن يبدأ من الداخل عبر الحوار المجتمعي، بعيداً عن التدخلات الخارجية، مع إعادة تفعيل دور الوجهاء والشخصيات الاجتماعية في تهدئة التوترات.

 

وشملت المطالب الأساسية:

وقف خطاب التحريض والكراهية.
رفض التهجير والطائفية.
مواجهة دعوات التقسيم.
إطلاق حوار داخلي شامل.
تحقيق المصالحة وجبر الضرر.
التعاون مع مؤسسات الدولة لمعالجة الملفات العالقة.

 

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن استمرار القطيعة بين مكونات المجتمع قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى، ما يجعل المصالحة المحلية خطوة أساسية قبل أي تسوية سياسية أو أمنية.

العودة إلى الدولة
مبادرة الإنقاذ الوطني

طرحت مبادرة أخرى تصوراً يقوم على إعادة تعزيز حضور مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الفوضى الأمنية، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية.

 

وتضمنت المبادرة مجموعة من البنود، أبرزها:

إنهاء مظاهر الانفلات الأمني.
الإفراج عن المختطفين.
تأمين الطرق الحيوية بين دمشق والسويداء.
تشكيل لجان لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين.
رفض مشاريع الانفصال.


اعتماد اللامركزية الإدارية ضمن السيادة السورية.
عقد مؤتمر للحوار والمصالحة بين مختلف الأطراف.

 

وأكد أصحابها أن مستقبل المحافظة مرتبط بإيجاد صيغة تضمن الاستقرار ضمن إطار الدولة السورية.

 

مواقف اجتماعية
رفض الانقسام والدعوة لاستعادة المؤسسات

إلى جانب المبادرات المنظمة، صدرت مواقف وبيانات عن فعاليات اجتماعية وعائلية داخل السويداء، ركزت على رفض مشاريع الانفصال أو تحويل المحافظة إلى كيان منفصل، والدعوة إلى إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون.

 

وشددت هذه المواقف على ضرورة عدم تحويل المحافظة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو فرض مشاريع سياسية لا تحظى بتوافق واسع داخل المجتمع المحلي.

 

المسار الرسمي
لجنة تحقيق وخطوات قضائية

بالتزامن مع المبادرات المجتمعية، اتخذت الجهات الرسمية خطوات لمعالجة تداعيات الأحداث، من بينها تشكيل لجنة تحقيق للنظر في الانتهاكات التي رافقت أحداث تموز 2025، وجمع المعلومات وإحالة الملفات إلى الجهات القضائية المختصة.

 

ويُعد ملف المحاسبة أحد أبرز المطالب المشتركة بين مختلف المبادرات، باعتباره شرطاً أساسياً لإعادة بناء الثقة وفتح الطريق أمام أي تسوية مستقبلية.

نقاط اتفاق وخلاف

رغم اختلاف المبادرات في طبيعتها، فإنها تشترك في عدد من العناوين، أبرزها:

 

الحفاظ على وحدة سوريا.
رفض التقسيم.
وقف العنف.
إطلاق الحوار.
معالجة ملف المختطفين.
إعادة المهجرين.
تعويض المتضررين.
تعزيز دور مؤسسات الدولة.

 

لكن الخلاف الرئيسي يتمثل في طريقة تطبيق هذه المبادئ؛ إذ يركز المسار المدني على بناء إطار مجتمعي مستقل، بينما يعطي المسار الأهلي الأولوية للمصالحة، في حين يركز المسار الآخر على إعادة تثبيت دور الدولة ومؤسساتها.

 

لماذا تعثرت المبادرات؟
غياب التنفيذ وتعدد القوى المؤثرة

رغم كثرة المبادرات، لم تنجح معظمها حتى الآن في التحول إلى خطوات عملية، بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها غياب آلية تنفيذ واضحة، وعدم وجود جهة تحظى بإجماع واسع للإشراف على تطبيق ما يتم الاتفاق عليه.

 

كما اصطدمت بعض المبادرات بتعدد القوى الفاعلة داخل المحافظة وتباين مواقفها، إضافة إلى استمرار الخلافات حول طبيعة المرحلة المقبلة ودور القوى الأمنية والعسكرية المحلية.

 

ويرى متابعون أن العديد من الوثائق المطروحة بقيت في إطار المبادئ العامة، دون تحديد جدول زمني أو ضمانات واضحة تلزم الأطراف المختلفة بتنفيذ بنودها، ما حدّ من قدرتها على إحداث اختراق فعلي.

 

ويؤكدون أن أي مبادرة جديدة تحتاج إلى معالجة ملفات أساسية، في مقدمتها محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وقف الخطاب التحريضي، ووضع آليات عملية لإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف.

 

الخلاصة: اختبار الإرادة السياسية

تبقى أزمة السويداء مرتبطة بقدرة الأطراف المحلية والرسمية على الانتقال من مرحلة طرح المبادرات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، إذ إن كثرة التصورات لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة ما لم تترافق مع توافق سياسي واجتماعي، وآليات واضحة تضمن تطبيق الاتفاقات.

 

وبينما تتفق معظم المبادرات على رفض العنف والحفاظ على وحدة سوريا، فإن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذه القواسم المشتركة إلى خطوات عملية تعيد الاستقرار وتمنع استمرار حالة الانقسام. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 8 + 5

Lire aussi