رهان على الاستثمار
تتجه الحكومة السورية إلى إعادة هيكلة مشاريع البنية التحتية عبر طرح نموذج جديد لتمويل الطرق الدولية، بعد إعلان المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية تحديث دراسات الجدوى الاقتصادية لمحوري "شمال-جنوب" و"شرق-غرب" تمهيداً لتنفيذهما وفق نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT).
ويأتي المشروع ضمن مساعي دمشق لجذب استثمارات جديدة في قطاع النقل، في ظل الحاجة إلى تطوير شبكة الطرق وتعزيز حركة التجارة وإعادة الإعمار مع محدودية الموارد المالية الحكومية.
محاور استراتيجية
يمتد محور "شمال-جنوب" من الحدود الأردنية جنوباً إلى الحدود التركية شمالاً، على مسار جديد يقع شرق الطريق الحالي بعدة كيلومترات، بينما يربط محور "شرق-غرب" بين مرفأ طرطوس ومنفذ التنف على الحدود العراقية.
وترى الحكومة أن هذه المشاريع يمكن أن تسهم في خفض تكاليف النقل، وتحويل سوريا إلى ممر إقليمي لحركة الترانزيت بين الخليج والعراق وتركيا والأردن وشرق المتوسط.
نموذج تمويلي جديد
يمثل نظام BOT تحولاً في طريقة تمويل مشاريع البنية التحتية، حيث يتولى القطاع الخاص تمويل إنشاء الطريق وتشغيله لفترة زمنية محددة، مقابل تحصيل رسوم من المستخدمين، قبل انتقال الملكية والإدارة إلى الدولة وفق العقد المبرم.
ويرى اقتصاديون أن هذا النموذج قد يكون مناسباً للواقع السوري الحالي، نظراً لعدم قدرة الموازنة العامة على تمويل مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات، إضافة إلى أنه يسمح بنقل جزء من مخاطر الإنشاء والتشغيل إلى المستثمرين.
فرص اقتصادية واسعة
لا تقتصر أهمية الطرق المأجورة، بحسب خبراء، على توفير مصادر تمويل جديدة، بل تمتد إلى تحسين جودة البنية التحتية، إذ يلتزم المستثمر عادة بأعمال الصيانة والتشغيل طوال فترة العقد.
كما يمكن أن تسهم هذه المشاريع في جذب الاستثمارات، وتطوير المناطق اللوجستية، وإنشاء مراكز تخزين وموانئ جافة وخدمات مرتبطة بالنقل، ما يعزز النشاط الاقتصادي في المناطق التي تمر بها الطرق.
ويشير اقتصاديون إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة للتحول إلى عقدة نقل إقليمية، خصوصاً مع إمكانية استقطاب حركة البضائع بين الأسواق المجاورة.
شروط نجاح التجربة
ورغم الفرص المتاحة، يؤكد الخبراء أن نجاح المشروع لا يعتمد على بناء الطرق فقط، بل على توفير بيئة استثمارية مستقرة تشمل وضوح القوانين، وحماية العقود، وإتاحة آليات تحكيم فعالة، وضمان قدرة المستثمرين على تحويل الأرباح.
كما يشددون على أهمية تقديم دراسات جدوى دقيقة تأخذ في الاعتبار حجم الحركة المرورية، وقدرة المستخدمين على دفع الرسوم، والعوائد الاقتصادية غير المباشرة مثل تقليل زمن الرحلات وخفض استهلاك الوقود وتقليل تكاليف الصيانة.
تحدي الرسوم
يثير تطبيق نظام الطرق المأجورة تساؤلات حول تأثير رسوم العبور على المواطنين وقطاع النقل المحلي.
ويرى خبراء أن نجاح التجربة يتطلب الإبقاء على الطرق المجانية الحالية كخيار بديل، مع اعتماد رسوم مرنة تراعي نوع المركبة والمسافة وطبيعة البضائع المنقولة، إضافة إلى تقديم تسهيلات للشاحنات الوطنية والقطاعات الحيوية.
ويؤكدون أن الهدف الأساسي يجب ألا يكون تحصيل الرسوم فقط، بل جذب حركة التجارة العابرة وتحويل الموقع الجغرافي لسوريا إلى مصدر للدخل وفرص العمل.
محور دمشق-الشرق
وفي سياق متصل، أعلن مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية معاذ نجار وجود مشروع لإنشاء فرع ثانٍ للطريق الدولي بين دمشق وتدمر ودير الزور.
وأوضح أن الطريق الجديد سيعزز الربط بين العاصمة والمناطق الشرقية الغنية بالموارد النفطية والمعدنية والزراعية، ويسهم في تخفيض تكاليف نقل المواد الأولية ودعم مشاريع إعادة الإعمار.
كما أشار إلى أن المشروع يمكن أن يساهم في خلق فرص عمل مباشرة، وتحسين وصول الخدمات، وتشجيع إقامة مناطق صناعية وتنموية جديدة على امتداد المسار.
طريق نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً
تمثل مشاريع الطرق المأجورة وفق نظام BOT اختباراً جديداً لقدرة سوريا على الانتقال من الاعتماد على التمويل الحكومي المحدود إلى شراكات طويلة الأمد مع القطاع الخاص.
ويرى خبراء أن نجاح هذه المشاريع قد يعيد وضع سوريا على خريطة النقل الإقليمي، ويفتح المجال أمام استثمارات في قطاعات أخرى، لكن تحقيق هذه النتائج يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على ضمان الاستقرار، وتعزيز الحوكمة، وتقديم خدمة عالية الجودة مقابل رسوم عادلة.
فالمشروع لا يتعلق ببناء طرق جديدة فقط، بل بتحويل الجغرافيا السورية إلى عنصر اقتصادي قادر على دعم التجارة والتنمية خلال المرحلة المقبلة.