أعلنت غرفة التجارة الدولية (ICC) اعتماد تخفيض بنسبة 20% على الرسوم الإدارية في قضايا التحكيم المؤهلة المرتبطة بجهود التعافي وإعادة الإعمار في سوريا، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تسهيل تسوية النزاعات التجارية وتشجيع الاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.
وأوضحت الغرفة، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، أن القرار يستند إلى آلية مماثلة سبق اعتمادها في حالات النزاعات المستمرة في أوكرانيا ولبنان، مؤكدة أن المبادرة تعكس التزامها بدعم الاقتصادات التي تواجه ظروفًا استثنائية، وتعزيز الوصول إلى خدمات التحكيم التجاري الدولي.
ويضم فرع غرفة التجارة الدولية في سوريا مجلس إدارة يرأسه رجل الأعمال ناجي شاوي، ويشغل منصب نائب الرئيس رجل الأعمال أحمد صابر حمشو، كما يضم المجلس عددًا من الشخصيات الاقتصادية والرسمية، من بينها معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي سامح عرابي.
ويرى مختصون في التحكيم التجاري أن القرار يمثل خطوة لتحفيز بيئة الاستثمار، من خلال توفير آلية معترف بها دوليًا لحل النزاعات التي قد تنشأ خلال تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار.
وأوضح خبراء أن التخفيض يقتصر على الرسوم الإدارية التي تستوفيها غرفة التجارة الدولية، ولا يشمل أتعاب هيئة التحكيم أو المحامين أو الخبراء أو تكاليف الترجمة وغيرها من النفقات، التي تشكل عادة الجزء الأكبر من كلفة إجراءات التحكيم.
وأشاروا إلى أن المبادرة تستهدف تحقيق عدة أهداف، أبرزها تشجيع المستثمرين على دخول السوق السورية، وتعزيز الثقة بوجود إطار قانوني دولي لتسوية المنازعات، إلى جانب خفض جزء من الأعباء المالية المرتبطة بإجراءات التحكيم.
من جهتها، أكدت الأمانة العامة لغرفة التجارة الدولية أن سوريا بقيت معزولة عن الأسواق العالمية لفترة طويلة، معتبرة أن هذه المبادرة ستسهم في توسيع إمكانية الوصول إلى خدمات تسوية المنازعات الدولية، بما يساعد على الحد من المخاطر التي تواجه رؤوس الأموال الخاصة، وتسريع إعادة اندماج البلاد في الاقتصاد العالمي.
وأضافت أن مرحلة إعادة الإعمار قد تشهد نشوء نزاعات، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل، مشيرة إلى أن توافر آليات تحكيم مستقلة وموثوقة يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين، ويوفر قدرًا أكبر من اليقين القانوني، ويدعم الإدارة الفعالة للنزاعات التجارية العابرة للحدود.
وأكدت الغرفة أن المحكمة الدولية للتحكيم التابعة لها ستتيح للشركات العاملة داخل سوريا أو المرتبطة بمشاريعها الاستفادة من خدمات التحكيم وفق رسوم إدارية مخفضة، بما يضمن إجراءات أكثر كفاءة، وأحكامًا قابلة للتنفيذ، وفق قواعد التحكيم المعتمدة لديها.
كما أشارت إلى أنها تعتزم التعاون مع المؤسسات القانونية والجهات الرسمية والهيئات المعنية داخل سوريا، بهدف دعم بناء القدرات في مجال تسوية المنازعات الدولية، واستكشاف آفاق التعاون مع المؤسسات المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
ما القضايا التي يشملها القرار؟
يفرق مختصون بين غرفة التجارة الدولية (ICC)، باعتبارها منظمة دولية غير حكومية مقرها باريس، والمحكمة الدولية للتحكيم التابعة لها، التي تتولى إدارة إجراءات التحكيم في النزاعات التجارية الدولية دون أن تصدر الأحكام بنفسها، إذ تصدر الأحكام عن هيئات التحكيم المشكلة لكل قضية.
ووفق القرار، يقتصر التخفيض على القضايا المؤهلة المرتبطة بجهود التعافي الاقتصادي في سوريا، ولا يشمل جميع النزاعات التجارية ذات الصلة بالبلاد.
ويرجح أن تستفيد من القرار العقود المتعلقة بإنشاء وإعادة تأهيل الطرق والجسور والمطارات والموانئ، ومشاريع الكهرباء والنفط والغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى عقود المياه والاتصالات والنقل، وعقود توريد المعدات والمواد اللازمة لإعادة الإعمار، وكذلك اتفاقيات الاستثمار المشترك بين الشركات السورية والأجنبية وبعض منازعات التمويل المرتبطة بمشاريع التعافي.
وفي المقابل، لا يشمل القرار النزاعات التجارية التي لا ترتبط بإعادة الإعمار أو التعافي الاقتصادي، كما لا ينطبق على القضايا التي لا تتضمن اتفاقًا بين الأطراف على اللجوء إلى التحكيم وفق قواعد غرفة التجارة الدولية.
ويبقى تحديد أهلية أي قضية للاستفادة من التخفيض خاضعًا للمعايير التي تعتمدها الغرفة عند تسجيل طلب التحكيم.
اهتمام متزايد بعقود إعادة الإعمار
شهدت الفترة الماضية توقيع سوريا عددًا من الاتفاقيات مع شركات دولية في مجالات الطاقة والبنية التحتية وإعادة الإعمار، وهي عقود قد تتضمن بنودًا تنص على اللجوء إلى التحكيم الدولي في حال نشوء نزاعات.
ومن أبرز هذه الاتفاقيات مذكرة تفاهم وقعتها وزارة الطاقة السورية في أيار/مايو 2025 مع شركة UCC العالمية، بقيمة تقارب 7 مليارات دولار، لتطوير أربع محطات كهرباء تعمل بالدورة المركبة وإنشاء محطة للطاقة الشمسية بقدرة ألف ميغاواط في ريف دمشق.
ويرى مختصون أن مبادرة غرفة التجارة الدولية لا ترتبط بوجود نزاعات سورية منظورة أمامها حاليًا، وإنما تعكس توقعات بزيادة النشاط الاستثماري خلال المرحلة المقبلة، مع تزايد اهتمام الشركات الأجنبية بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار.
ويشير خبراء إلى أن الشركات الدولية تحرص عادة على إدراج شرط التحكيم في العقود التجارية الكبرى، لتوفير آلية محايدة لتسوية النزاعات بعيدًا عن القضاء الوطني، وهو ما يجعل اختيار جهة التحكيم وصياغة شرط التحكيم من أبرز الجوانب القانونية في العقود الدولية.
كما يؤكد مختصون أهمية صياغة بنود التحكيم بدقة، خاصة عندما تكون الجهات الحكومية طرفًا في العقود، في ظل ارتفاع كلفة منازعات الاستثمار الدولي وتعقيداتها القانونية، وما أظهرته تقارير دولية من أن الدول النامية تواجه تحديات كبيرة في هذا النوع من القضايا، سواء من حيث التكاليف أو إدارة النزاعات أو الصياغة التعاقدية.