تراجع الدولار والذهب في سوريا يثير تساؤلات حول استقرار الأسواق
تشهد الأسواق السورية خلال الفترة الأخيرة تحركات متباينة في أسعار الصرف والذهب، مع تسجيل تراجع في سعر الدولار في السوق الموازية بالتوازي مع تعديلات رسمية من مصرف سوريا المركزي، إضافة إلى انخفاض في أسعار الذهب محلياً وعالمياً، ما فتح نقاشاً واسعاً حول ما إذا كانت الأسواق تتجه نحو استقرار فعلي أم أنها تمر بمرحلة مؤقتة من التذبذب.
وسجل الدولار في السوق غير الرسمية مستويات تقارب 13,500 ليرة سورية للشراء و13,600 ليرة للمبيع، في حين رفع مصرف سوريا المركزي السعر الرسمي من 116 إلى 119 ليرة سورية جديدة، مع تقليص هامش الحركة السعرية من 15% إلى 9%، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لضبط الفجوة بين السوق الرسمية والموازية.
تراجع الذهب محلياً وعالمياً
بالتوازي مع حركة الصرف، شهدت أسعار الذهب في سوريا انخفاضاً ملحوظاً، حيث بلغ سعر غرام الذهب عيار 21 قيراطاً نحو 15,500 ليرة سورية للمبيع، مقارنة بتراجع يقارب 1,550 ليرة عن التسعيرة السابقة.
كما سجل غرام الذهب عيار 24 نحو 17,800 ليرة للمبيع، بينما بلغ عيار 18 نحو 13,300 ليرة، في وقت تراجعت فيه الأسعار عالمياً بفعل قوة الدولار والضغوط المرتبطة بالسياسة النقدية في الولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن ارتباط السوق السورية بحركة الأونصة العالمية يجعل أسعار الذهب عرضة لتقلبات مباشرة، مع وجود تأثيرات محلية تضاعف من سرعة التغيرات اليومية.
عوامل محلية تتحكم بالسوق
الخبير الاقتصادي معروف الخلف يرى أن أسواق الصرف والذهب في سوريا لم تعد تخضع لعامل واحد، بل أصبحت نتيجة تفاعل بين عوامل داخلية وخارجية، أبرزها حركة العرض والطلب وحجم السيولة النقدية.
وأوضح أن اضطراب عمليات البيع والشراء في سوق الذهب يؤدي إلى تقلبات يومية حادة في الأسعار، في حين أن توفر السيولة في السوق يعزز القدرة الشرائية ويرفع حجم التداول، بينما يؤدي انكماشها إلى تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض الأسعار.
وأشار إلى أن حركة الأسواق المحلية تتأثر أيضاً بالتحولات في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك السياسة النقدية الأميركية ومستويات الدين العام والتوترات الجيوسياسية، حيث يبقى الذهب مؤشراً حساساً لهذه المتغيرات.
وتوقع الخلف استمرار التقلبات في أسعار الذهب بين الارتفاع والانخفاض خلال الفترة المقبلة، مع احتمال استمرار الاتجاه الهبوطي على المدى القصير قبل أي موجة صعود جديدة.
هل هو استقرار حقيقي؟
في المقابل، يتعامل الخبير الاقتصادي محمد إياد حجة بحذر مع فكرة الاستقرار، معتبراً أن التراجع الحالي في سعر الدولار والذهب لا يكفي لتأكيد وجود اتجاه اقتصادي ثابت.
وأوضح أن انخفاض الطلب على الدولار، وزيادة المعروض نتيجة الحوالات المالية وعمليات البيع، إلى جانب تراجع المضاربة، كلها عوامل ساهمت في الهبوط الحالي لكنها تظل مؤقتة بطبيعتها.
ويرى حجة أن الاستقرار الحقيقي يتطلب مؤشرات اقتصادية أعمق، مثل تحسن الصادرات، وزيادة تدفق النقد الأجنبي بشكل مستدام، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وهي شروط لم تتوافر بعد بالشكل الكافي.
وحذر من أن ما يحدث قد يكون مجرد "هدوء مؤقت" في السوق، وليس تحولاً هيكلياً في اتجاه سعر الصرف.
مراقبة حذرة للمستقبل
من جهته، اعتبر مسؤول في مصرف خاص أن التغيرات الأخيرة تحتاج إلى متابعة دقيقة، مشيراً إلى أن غياب أسباب اقتصادية واضحة يجعل من الصعب الجزم بأن التحسن الحالي مستدام.
وأكد أن الإجراءات الأخيرة للمصرف المركزي، بما في ذلك تعديل سعر الصرف الرسمي وتقليص الفجوة مع السوق الموازية، قد تعكس توجهاً نحو سياسات أكثر ارتباطاً بالواقع الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، يشير الخبراء إلى أن هبوط أسعار الذهب محلياً جاء نتيجة عاملين متزامنين، هما تراجع السعر العالمي للأونصة من جهة، وانخفاض الدولار في السوق المحلية من جهة أخرى، ما ضاعف من تأثير الانخفاض على الأسعار.
بين التحسن المؤقت والاستقرار المجهول
رغم المؤشرات الإيجابية الظاهرة في تراجع الدولار وانخفاض الذهب، تبقى الأسواق السورية في حالة ترقب، حيث لا تزال العوامل الأساسية التي تحدد الاستقرار الاقتصادي غير مستقرة بشكل كامل.
وبين قراءة تعتبر ما يحدث بداية تصحيح مؤقت، وأخرى ترى فيه فرصة استقرار تدريجي، يبقى المشهد الاقتصادي مفتوحاً على احتمالات متعددة، بانتظار ما ستكشفه حركة السوق خلال الفترة المقبلة.