ما الذي دفع واشنطن وطهران إلى تقديم موعد التوقيع؟

2026.06.18 - 16:44
Facebook Share
طباعة

فرضت التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط إيقاعًا مختلفًا على مسار التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما فاجأ الجانبان المتابعين بإقرار "مذكرة تفاهم إسلام آباد" قبل موعدها الرسمي الذي كان مقررًا في جنيف يوم الجمعة. وجاءت الخطوة في وقت كانت فيه المنطقة تترقب

جولة جديدة من المحادثات، قبل أن يتحول الاهتمام فجأة إلى وثيقة جرى اعتمادها إلكترونيًا وسط ترتيبات سياسية ودبلوماسية مكثفة عكست رغبة واضحة في وقف المواجهة العسكرية والانتقال إلى مسار سياسي جديد.

 

مشهدان مختلفان للمصادقة على المذكرة:

 

عكست طريقة الإعلان عن التفاهم تباينًا واضحًا بين الجانبين في التعامل مع الحدث. ففي الولايات المتحدة، اختار الرئيس دونالد ترامب أجواء احتفالية لتوثيق اللحظة، إذ ظهر في مقطع فيديو نشره نائب رئيس موظفي البيت الأبيض دان سكافينو وهو يعتمد الوثيقة في قصر فرساي

التاريخي بباريس خلال مأدبة عشاء استضافها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

 

وأظهرت اللقطات ترامب وهو يبادر إلى التوقيع فور تسلمه الوثيقة من وزير الخارجية ماركو روبيو وسط تصفيق الحاضرين، بينما سُمعت عبارة "برافو" من ماكرون في مشهد حمل رسائل سياسية تتجاوز مجرد إقرار تفاهم ثنائي.

 

أما في الجانب الإيراني، فجاء المشهد مختلفًا تمامًا، إذ ظهر الرئيس مسعود بزشكيان منفردًا في صورة رسمية خالية من المظاهر الاحتفالية، مكتفيًا بعرض نسخة المذكرة الموقعة من الجمهورية الإسلامية، في إشارة بدت أقرب إلى التعامل معها كخطوة سياسية ضرورية أكثر من كونها مناسبة للاحتفال.

 

كواليس اللحظات الحاسمة:

لم يكن تقديم موعد اعتماد المذكرة مجرد إجراء بروتوكولي، بل جاء نتيجة رغبة متبادلة في إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية دون انتظار يومين إضافيين حتى موعد اجتماع جنيف.

 

ووفقًا لمصدر دبلوماسي، فإن المناقشات التي سبقت الإعلان الرسمي ركزت على ضرورة تسريع الجدول الزمني من أجل إعادة فتح المضيق في أقرب وقت ممكن، خاصة أن الجهتين كانتا متفقتين مسبقًا على هذه النقطة باعتبارها أولوية اقتصادية وأمنية.

 

كما شهدت الأيام الأخيرة ضغوطًا سياسية وإعلامية متزايدة على البيت الأبيض لنشر نص المذكرة، بينما أصرت القيادة الإيرانية على عدم إعلان أي بند قبل إتمام المصادقة عليها رسميًا. وبحسب ما كشفه موقع "أكسيوس"، فإن هذا الخلاف دفع المفاوضين إلى تسريع الإجراءات وإنهاء حالة الغموض التي أحاطت بالوثيقة.

 

وأثار الإعلان المفاجئ تساؤلات بشأن ما إذا كانت هناك عمليتا توقيع منفصلتان، إحداهما جرت بصورة غير معلنة بين مسؤولين من الجانبين، والأخرى ظهرت بصورة علنية في فرساي، وهو ما غذّى التكهنات حول الرسائل التي أراد كل طرف توجيهها إلى جمهوره الداخلي والمجتمع الدولي.

 

اعتبارات لوجستية وسياسية:

 

إلى جانب الاعتبارات السياسية، لعبت عوامل لوجستية دورًا مهمًا في اختيار آلية التوقيع الإلكتروني. فقد أشارت مصادر أمريكية وأخرى من الدول الوسيطة إلى أن نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي قاد فريق التفاوض الأمريكي، لم يكن قادرًا على العودة إلى الولايات المتحدة قبل مغادرة ترامب إلى فرنسا للمشاركة في قمة مجموعة السبع.

 

وأدى تداخل المواعيد الدبلوماسية إلى اعتماد هذه الآلية باعتبارها الخيار الأكثر عملية لإنجاز التفاهم دون تأخير، خاصة مع وجود توافق مبدئي على معظم البنود الرئيسية.

 

رسائل حادة رغم خفض التصعيد:

 

رغم الإعلان عن التفاهم، لم يتخلَّ ترامب عن خطابه المتشدد تجاه إيران. فقد وجّه تحذيرات مباشرة، ملوحًا بإمكانية استئناف العمليات العسكرية وقصف إيران مجددًا إذا أخفقت في الالتزام ببنود المذكرة أو تراجعت عن تعهداتها.

 

لكن اللافت أن الرئيس الأمريكي أبدى مرونة أكبر تجاه ملف الصواريخ الباليستية مقارنة بمواقفه السابقة، إذ أشار إلى أن امتلاك إيران لبعض القدرات الصاروخية ليس أمرًا استثنائيًا طالما أن دولًا أخرى تمتلك قدرات مماثلة.

 

العوائد السياسية والاقتصادية:

 

في المقابل، تجنبت القيادة الإيرانية الرد على تهديدات ترامب، وركزت على إبراز ما اعتبرته إنجازات تحققت عبر التفاوض. وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن بلاده نجحت سياسيًا في تحقيق أهداف سعت إليها لسنوات، من بينها رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية

وتجميد العقوبات وإتاحة الوصول إلى أصول مالية مجمدة بمليارات الدولارات.

 

تظهر بنود التفاهم أن الحرب انتهت دون تحقيق بعض الأهداف التي كانت واشنطن تطرحها في بداية المواجهة. فلم يتم إسقاط الحكومة الإيرانية، كما لم تُدمر القدرات الصاروخية الإيرانية أو مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب بشكل كامل.

 

في المقابل، حصلت الجمهورية الإسلامية على حزمة من المكاسب الاقتصادية، شملت تخفيف القيود الاقتصادية وصندوقًا استثماريًا لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، وهو ما اعتبرته طهران دليلًا على نجاحها في الصمود خلال فترة الحرب.

 

مصير اجتماع جنيف:

 

رغم إقرار المذكرة، لا تزال الأسئلة مطروحة حول مستقبل اللقاء الذي كان مقررًا عقده في جنيف. فبينما تحدثت مصادر سياسية ومشرعون عن استمرار التحضيرات لاجتماع يضم وفدين أمريكيًا وإيرانيًا برئاسة جيه دي فانس ومحمد باقر قاليباف لمناقشة ملفات إضافية، أشارت الحكومة

السويسرية إلى أن الخطة الحالية تتمثل في اجتماع يضم الولايات المتحدة وإيران وباكستان وقطر ودولًا أخرى معنية لبحث آليات تنفيذ اتفاق السلام.

 

في المقابل، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أنه لن يكون هناك حفل توقيع جديد في جنيف، لأن الرئيسين وقّعا بالفعل إلكترونيًا، موضحًا أن قرار المصادقة المبكرة دفع إلى إعادة النظر في ترتيبات اجتماع الجمعة، ما جعل مصيره غير محسوم حتى الآن.

 

الخطوط الحمراء الإيرانية:

 

ورغم الترحيب بالتفاهم، حرصت طهران على التأكيد أن بعض الملفات لن تكون مطروحة للنقاش. فقد شدد بقائي على أن القدرات الدفاعية الإيرانية ليست محل تفاوض، مؤكدًا أن الصواريخ الإيرانية "صُنعت للإطلاق وليس للتفاوض".

 

يعكس هذا الموقف رغبة إيرانية في الفصل بين الترتيبات السياسية المتعلقة بوقف العمليات العسكرية وبين الملفات الدفاعية التي تعتبرها جزءًا من أمنها القومي.

 

وبذلك، لا تعني مذكرة تفاهم إسلام آباد طيّ صفحة الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران، بقدر ما تعكس انتقال المواجهة من الميدان العسكري إلى مسار تفاوضي طويل ومعقد. وسيبقى نجاح هذه التسوية مرهونًا بمدى التزام الجانبين بتعهداتهما، وقدرتهما على تجاوز الملفات الخلافية

التي لا تزال حاضرة رغم وقف العمليات العسكرية.

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 3