مضيق هرمز… نقطة اشتعال تهدد آسيا والعالم

2026.05.19 - 09:56
Facebook Share
طباعة

تشهد أسواق الطاقة العالمية تحوّلاً عميقاً في طبيعة الأزمة الناجمة عن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إذ لم تعد تداعياتها محصورة في تقلبات أسعار النفط والغاز، بل تحولت إلى أزمة جيوسياسية ممتدة تعيد تشكيل خرائط الإمداد والطاقة، مع وضع آسيا في قلب هذه التداعيات باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم.

 

ووفق التقرير، فإن ما يجري اليوم يتجاوز الصدمات اللحظية في الأسعار، ليعكس عملية إعادة هيكلة طويلة الأمد لسلاسل الإمداد العالمية، في ظل تراجع المخزونات الاستراتيجية وارتفاع مستويات عدم اليقين في الأسواق، ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات الآسيوية الصناعية والاستهلاكية.

 

وتبرز عدة قنوات رئيسية لانتقال الأزمة، من بينها ارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بالنفط نتيجة الاضطرابات في مضيق هرمز، وتقلص تدفقات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب العودة المؤقتة لاستخدام الفحم كبديل طارئ، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية المصاحبة مثل التضخم المستورد وتراجع العملات المحلية وزيادة كلفة الدعم الحكومي للطاقة.

 

وبحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية، فإن المخزونات النفطية العالمية مرشحة للانخفاض بشكل ملحوظ، في حين أدت اضطرابات الغاز الطبيعي المسال إلى تقليص يصل إلى 20% من التدفقات العالمية خلال ذروة الأزمة، ما وضع الأسواق الآسيوية أمام حالة ضغط غير مسبوقة.

 

وتزداد خطورة الوضع بالنظر إلى الدور المحوري لآسيا في الاقتصاد العالمي، إذ تسهم الصين والهند معاً بنسبة تتراوح بين 40 و45% من نمو الناتج العالمي الإضافي، بينما تضيف دول مثل إندونيسيا وكوريا الجنوبية وفيتنام وعدد من دول جنوب شرق آسيا ما يقارب 10 إلى 12% إضافية.

 

لكن استمرار نقص الطاقة، خصوصاً في الغاز الطبيعي المسال والنفط، قد يؤدي إلى خفض النمو العالمي بما يتراوح بين نقطة ونقطتين مئويتين خلال عامي 2026 و2027، نتيجة تراجع الإنتاج الصناعي والاستهلاك والاستثمار.

 

وينعكس هذا التباطؤ في آسيا مباشرة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، عبر تراجع الطلب على الصادرات الصناعية والإلكترونية وارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة، ما يضغط على معدلات النمو والتجارة العالمية.

 

وفي اليابان، يحد الاعتماد الكبير على واردات الطاقة من آفاق النمو، بينما تواجه أوروبا والولايات المتحدة تباطؤاً صناعياً وتراجعاً في الاستهلاك الحقيقي بفعل استمرار الضغوط التضخمية.

 

وعلى مستوى أسواق الطاقة، يُظهر التقرير أن النفط ما زال أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بالغاز، رغم وصول أسعاره خلال ذروة الاضطرابات إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، واستقراره لاحقاً ضمن نطاق 90 إلى 100 دولار.

 

في المقابل، تبقى أزمة الغاز الطبيعي المسال أكثر حدة، إذ تجاوزت الأسعار الآسيوية حاجز 20 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال فترات التداول الفوري، ما دفع دول شمال شرق آسيا إلى الشراء الطارئ وتقنين الاستهلاك.

 

كما واجهت العقود طويلة الأجل ضغوطاً متزايدة نتيجة مخاطر انقطاع الإمدادات وصعوبة إعادة توجيه الشحنات، خاصة مع ارتباط بعض التدفقات بممرات حساسة مثل مضيق هرمز.

 

وأمام هذه التطورات، اتجهت عدة دول آسيوية إلى الفحم كخيار مؤقت لتأمين الطاقة، حيث رفعت الصين والهند وعدد من دول جنوب شرق آسيا استخدامه في توليد الكهرباء، رغم استمرار التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة.

 

وتختلف استجابات الدول الآسيوية للأزمة؛ ففي الصين، يجري تسريع التحول نحو مزيج طاقة أكثر تنوعاً يشمل الفحم والطاقة المتجددة وتنويع مصادر استيراد الغاز بعيداً عن الشرق الأوسط نحو روسيا والولايات المتحدة وأستراليا، مع تصاعد اعتبار أمن الطاقة أولوية استراتيجية.

 

أما الهند، فتواجه ضغوطاً حادة نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات من النفط والغاز، رغم أن وفرة الفحم تخفف جزئياً من الأزمة، لكنها تزيد في المقابل من الأعباء البيئية والمالية المرتبطة بدعم الطاقة.

 

وفي اليابان وكوريا الجنوبية، لجأت الحكومات إلى إجراءات شراء طارئ وإدارة الطلب وتسريع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، بينما تعاني دول جنوب شرق آسيا من تقلبات حادة في الإمدادات وإلغاء أو تأجيل مشاريع الغاز الطبيعي المسال.

 

اقتصادياً، تؤدي أزمة الطاقة إلى ارتفاع التضخم عبر الوقود والنقل والأسمدة، مع امتداد تأثيرها إلى أسعار الغذاء، خصوصاً في جنوب آسيا، في حين تتعرض العملات المحلية لضغوط متزايدة تدفع البنوك المركزية إلى تشديد السياسات النقدية.

 

كما تواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل البتروكيماويات والصلب والأسمدة، تحديات كبيرة نتيجة تقلص الهوامش الربحية وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يزيد مخاطر التباطؤ الصناعي.

 

وفي الوقت نفسه، تسرّع الأزمة ثلاث اتجاهات رئيسية: تعزيز التحوط من مخاطر الغاز الطبيعي المسال، وإعادة ترتيب أولويات أمن الطاقة فوق سياسات التحول البيئي السريع، وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وتقنيات التخزين.

 

ويشير التقرير إلى أن مستقبل الاستقرار في أسواق الطاقة قد يرتبط بتطور العلاقات الدولية، خصوصاً بين واشنطن وبكين، حيث كان يُنظر إلى قمة ترامب وشي جين بينغ كفرصة لخفض التوترات وتقليل تقلبات السوق.

 

وبحسب السيناريوهات المطروحة، فإن السيناريو الأساسي يفترض استمرار حالة عدم الاستقرار مع بقاء أسعار النفط بين 85 و105 دولارات والغاز بين 12 و20 دولاراً، ما يؤدي إلى تباطؤ آسيوي دون ركود شامل.

 

أما السيناريو الإيجابي فيفترض نجاح التنسيق الدولي وتحسن الإمدادات، ما قد يخفض أسعار النفط إلى 65–85 دولاراً ويعيد الاستقرار للأسواق.

 

في المقابل، يحذر السيناريو المتشدد من تصعيد جديد في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، ما قد يدفع أسعار النفط إلى 110–140 دولاراً والغاز إلى 20–35 دولاراً، مع صدمة تضخمية عالمية وتراجع حاد في النمو وهروب رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة.

 

ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة حساسة من إعادة التوازن، حيث لم تعد أزمة الطاقة حدثاً عابراً، بل أصبحت عاملاً محورياً يعيد تشكيل موازين النمو والتجارة وأمن الطاقة عالمياً. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


هرمز الطاقة آسيا حرب الخليج

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5