تواجه أسواق الطاقة العالمية حالة ترقب حادة بعد مرور عشرة أسابيع على اندلاع الحرب مع إيران، وسط استمرار إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم شرايين النفط في العالم.
يفقد العالم يومياً نحو 14 مليون برميل من النفط بسبب توقف المرور عبر المضيق، وهو ما يعادل 14% من الإنتاج العالمي، بينما تشير التقديرات إلى احتمال اختفاء ما لا يقل عن ملياري برميل من إمدادات النفط خلال العام الحالي حتى لو أعيد فتح المضيق فوراً.
ورغم ضخامة الخسائر، بقي سعر خام برنت عند حدود 107 دولارات للبرميل، وهو مستوى أقل بكثير من توقعات سابقة تحدثت عن قفز الأسعار إلى ما بين 150 و200 دولار في حال استمرار الحرب.
أحد أسباب هذا الهدوء يعود إلى استمرار رهانات الأسواق على حدوث انفراجة دبلوماسية، خاصة مع تلميحات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية التوصل إلى تسوية مع طهران.
لكن العامل الأبرز تمثل في الزيادة الكبيرة لصادرات النفط من خارج الخليج، حيث سارعت عدة دول لتعويض جزء من النقص العالمي.
رفعت كندا صادراتها الصافية بنحو 400 ألف برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 10 مايو/أيار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما أضافت كل من فنزويلا والنرويج نحو 200 ألف برميل يومياً إضافية لكل منهما، في حين زادت البرازيل صادراتها بنحو 100 ألف برميل يومياً.
الأداء الأبرز جاء من الولايات المتحدة، التي سجلت صادرات صافية قاربت 9 ملايين برميل يومياً، وهو أعلى مستوى في تاريخها، بزيادة بلغت 3.8 ملايين برميل يومياً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
استغرقت الزيادة الأمريكية عدة أسابيع، بعدما احتاجت الشركات إلى توقيع عقود جديدة، وسحب كميات إضافية من الاحتياطات، وتأمين خطوط الأنابيب وناقلات الشحن.
في مارس/آذار، ارتفعت تكاليف الشحن بين المحيط الأطلسي وآسيا وأوروبا بشكل حاد، بينما سجل خام غرب تكساس الأمريكي فروقات سعرية قياسية مقارنة بخامي برنت ودبي لجذب المشترين.
ساعد تدفق النفط من خارج الخليج على تقليص فجوة الإمدادات إلى نحو 8 ملايين برميل يومياً فقط، لكن المفاجأة الأكبر جاءت من تراجع واردات الدول المستهلكة.
انخفضت واردات المناطق الكبرى المستهلكة للنفط بنحو 11 مليون برميل يومياً خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 10 مايو/أيار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما خفضت الصين وحدها مشترياتها بمقدار 6.6 ملايين برميل يومياً.
بدلاً من التهافت على النفط المتاح، أعادت مصافٍ صينية بيع بعض الشحنات المتعاقد عليها من غرب أفريقيا إلى مشترين آسيويين آخرين.
يعكس جزء من هذا التراجع انخفاض الطلب العالمي، بعدما اضطرت مصافٍ في آسيا وأوروبا إلى خفض طاقتها الإنتاجية بنحو 4 ملايين برميل يومياً بسبب نقص الخام.
كما فقدت الأسواق 4.4 ملايين برميل يومياً من صادرات المنتجات المكررة القادمة من الخليج، ما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات بنسبة تراوحت بين 60% و120% في الأسواق الكبرى.
دفعت تكاليف الوقود المرتفعة المستهلكين إلى تقليص الإنفاق، بينما واجهت مصانع البتروكيماويات نقصاً حاداً في مادة النافتا المستخدمة في صناعة البلاستيك.
رغم ذلك، تشير التقديرات إلى أن تراجع الطلب العالمي بقي أقل من 5 ملايين برميل يومياً، ما يعني أن جزءاً مهماً من انخفاض الواردات يعود إلى الحذر والترقب، وليس فقط إلى ضعف الاستهلاك.
أظهرت صور الأقمار الصناعية أن المخزونات النفطية البرية في الصين بقيت مستقرة تقريباً، ما أثار توقعات بأن بكين بدأت سحب كميات من مخزونات سرية مخزنة داخل كهوف تحت الأرض لتعويض النقص بهدوء.
تمتلك الصين احتياطيات تقدر بنحو 1.2 مليار برميل من النفط الخام، وهي كمية تكفي للحفاظ على انخفاض الواردات لفترات طويلة إذا استمرت عمليات السحب.
لكن الأزمة قد تتفاقم مع اقتراب انتهاء موسم صيانة المصافي الصينية والأمريكية، ما يعني ارتفاع الطلب مجدداً على الخام والمنتجات المكررة.
في المقابل، وافقت واشنطن ضمن خطة منسقة مع وكالة الطاقة الدولية على سحب 172 مليون برميل من الاحتياطي النفطي الإستراتيجي، ما سمح بزيادة الصادرات الأمريكية بأكثر من 600 ألف برميل يومياً.
مع ذلك، تتزايد المخاوف من تراجع الصادرات الأمريكية قريباً، خاصة مع ارتفاع الاستهلاك المحلي وانخفاض مخزونات الوقود بسرعة كبيرة.
تشير تقديرات إلى أن أي ارتفاع إضافي في أسعار الخام قد يدفع سعر البنزين داخل أمريكا إلى 5 دولارات للجالون، وهو المستوى الذي تسبب سابقاً في تراجع شعبية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن عام 2022.
خلال الأسابيع الأخيرة، ناقشت إدارة ترامب فرض حظر على تصدير المنتجات النفطية المكررة لحماية السوق المحلية من ارتفاع الأسعار.
قدرت مصادر في قطاع الطاقة احتمال فرض هذا الحظر بنسبة 35% عندما كان سعر برنت قرب 100 دولار، لكن النسبة ارتفعت حالياً، وقد تتجاوز 50% إذا واصلت أسعار الوقود الارتفاع بحلول 25 مايو/أيار.
يحذر خبراء الطاقة من أن أي قرار أمريكي بحظر الصادرات سيقلب أسواق الطاقة العالمية رأساً على عقب، في وقت تتآكل فيه المخزونات النفطية تدريجياً حول العالم.
ورغم أن الولايات المتحدة والصين منحتا الأسواق بعض الوقت عبر السحب من الاحتياطات وزيادة الإمدادات، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز يبقي العالم أمام خطر أزمة طاقة أوسع خلال الأشهر المقبلة.