خبير اقتصادي يشرح تحديات استقرار الليرة السورية

2026.05.03 - 19:15
Facebook Share
طباعة

 يشهد مصرف سوريا المركزي خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تطوير أدوات السياسة النقدية وتعزيز قدرته على التدخل في سوق الصرف، في محاولة لضبط سعر العملة المحلية والحد من التقلبات الحادة في قيمتها.

 

ومن أبرز هذه الإجراءات إحداث “سوق دمشق الإلكترونية للعملات الأجنبية والذهب”، إلى جانب إنشاء جمعية للصرافة، بهدف تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يسمح بعكس أوضح لقوى العرض والطلب، والحد من الفجوات بين الأسعار الرسمية والموازية.

 

ويأتي هذا التوجه ضمن مسار أوسع يصفه حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية بأنه خطوة أساسية في تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي، مشيراً إلى أن هذه التحولات ارتبطت بجهود دمج النظام المالي السوري تدريجياً ضمن منظومة أوسع من العلاقات المالية الدولية، وتفعيل قنوات مصرفية مع مؤسسات خارجية.

 

في السياق ذاته، تُطرح أسواق تداول العملات والذهب والسلع كمؤشر على توجهات الانفتاح المالي، حيث تعتمد العديد من الدول على أسواق منظمة لتداول العملات الأجنبية والذهب ضمن بيئة شبه مستمرة على مدار اليوم، بما يتيح حركة أوسع لرأس المال وتبادل العملات.

 

وفي هذا الإطار، تناول خبير اقتصادي ومصرفي سوري واقع هذه الأدوات الجديدة، موضحاً أن إنشاء منصات لإدارة سعر الصرف مثل سوق العملات والذهب يحمل طبيعة مزدوجة، إذ يمكن أن يشكل أداة تنظيم، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق تحديات إذا لم يُدار ضمن إطار نقدي واضح ومدعوم بالسيولة.

 

ويشير الخبير إلى أن مثل هذه الأسواق قد تضع العملة المحلية بين ضغوط التثبيت الإداري ومتطلبات التحرير الجزئي، ما قد يحد من قدرة المصرف المركزي على التحكم المباشر بسعر الصرف، ويؤدي أحياناً إلى تنشيط أسواق موازية أكثر تقلباً.

 

وفي المقابل، يرى أن وجود منصة منظمة لتداول العملات يمكن أن يحقق مجموعة من المكاسب، من بينها تعزيز شفافية التسعير، وتقليص الفجوة بين السوق الرسمي والموازي، وتحسين تدفق التحويلات الخارجية عبر القنوات النظامية، إضافة إلى تهيئة بيئة انتقال تدريجي نحو تحرير اقتصادي أوسع.

 

ويشدد على أن نجاح هذه الآليات يرتبط بشكل أساسي بوجود احتياطات نقدية كافية، إلى جانب منظومة رقابية صارمة قادرة على ضبط حركة السوق ومنع المضاربات الحادة.

 

على صعيد السوق المحلية، تشهد البلاد تقلبات متواصلة في سعر صرف الدولار مقابل الليرة، مع تسجيل مستويات قريبة من 13,350 ليرة في السوق غير الرسمية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، وأدى إلى تفاوت واضح في الأسعار بين المناطق.

 

كما دفعت هذه التغيرات السلطات إلى اتخاذ قرارات متعلقة بالاستيراد والتصدير، في محاولة للحد من انعكاسات تقلبات العملة على الأسواق.

 

وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن الارتفاعات الأخيرة في سعر الصرف لا تبدو مرتبطة بعوامل طبيعية مستقرة، بل تعكس اختلالات أعمق، من بينها الفجوة بين سعر العملة والقدرة الإنتاجية، وتراجع القوة الشرائية بوتيرة أسرع من معدلات التضخم المعلنة، إضافة إلى غياب آليات تسعير مستقرة تعكس الواقع الاقتصادي.

 

ويعتبر أن هذا الوضع يعكس أزمة ثقة متزايدة في العملة المحلية، وليس مجرد تحرك تقني ضمن نطاق التوازنات السوقية.

 

كما يشير إلى أن تراجع تدفق القطع الأجنبي إلى البلاد يعود إلى عدة عوامل، أبرزها الانكماش الاقتصادي الممتد، وتراجع مستويات الدخل، وضعف الإنتاج المحلي، وتراجع القدرة التصديرية، مقابل ارتفاع الاستيراد المرتبط بالاستهلاك.

 

ويرى أن هذه العوامل ساهمت في زيادة الضغط على سعر الصرف، إلا أن السياسات النقدية المتعلقة بتقييد السيولة لعبت دوراً في الحد من انهيارات أكبر، رغم أنها لم تعالج جذور المشكلة.

 

وفي ما يتعلق بالقطاع المصرفي، يؤكد الخبير أن المصارف السورية لا تعاني من عجز هيكلي بقدر ما تعاني من قيود تنظيمية وتشريعية تحد من قدرتها على لعب دور تنموي فاعل.

 

وتشمل أبرز التحديات توقف شبه كامل للتحويلات الخارجية، وتراجع الثقة في القطاع المصرفي، إضافة إلى اختلالات في الميزان التجاري وضعف في البنية المالية المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي.

 

كما يلفت إلى أن استعادة الاستقرار النقدي تتطلب إصلاحات أوسع تشمل تطوير التشريعات المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل أدوات الرقابة، وربط النظام المصرفي بشبكات مالية إقليمية ودولية أكثر استقراراً.

 

ويختتم الخبير رؤيته بالتأكيد على أن الاستقرار النقدي لا يمكن تحقيقه عبر أدوات نقدية فقط، بل يحتاج إلى بيئة اقتصادية إنتاجية واستثمارية قادرة على دعم العملة المحلية، مع إعادة هيكلة شاملة للقطاع المصرفي بما يسمح له بالتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 4