من العار حقًا أن يُقتل الأبرياء في بيوتهم، وأن يُستهدف أولئك الذين يسعون فقط لتأمين قوت يومهم، في زمن يُفترض أنه زمن القوانين والمواثيق الدولية. ما يجري اليوم في لبنان الجريح ليس مجرد خبر عابر، بل مأساة إنسانية تتكرر يوميًا على مرأى ومسمع عالمٍ يصف نفسه بالمتحضر، ويزعم أنه حارس حقوق الإنسان.
لبنان، البلد المثقل بالجراح، يعيش واحدة من أقسى مراحله، حيث لا تمييز في الموت بين طفل وشيخ، ولا بين مدني وعامل إغاثة. القصف يطال كل شيء: البيوت، المدارس، والمستشفيات. أما الإنسان، فقد أصبح رقمًا في نشرات الأخبار، يُضاف إلى قوائم الضحايا دون أن يثير ذلك رد الفعل المطلوب. هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل تسمح القوانين الدولية، التي طالما تباهى بها العالم، بهدم المستشفيات فوق مرضاها، والمدارس فوق طلابها؟
إن ما يزيد من فداحة المشهد ليس فقط حجم الدمار، بل الصمت الدولي المريب الذي يواكبه. هذا الصمت لم يعد يُفسَّر على أنه حياد، بل بات يُقرأ كتواطؤ غير مباشر، يمنح المعتدين غطاءً للاستمرار. حين يُقتل الصحافي وهو يؤدي رسالته، ويُستهدف المسعف وهو يحاول إنقاذ الأرواح، فإن الرسالة تصبح واضحة: لا أحد في مأمن، ولا خطوط حمراء في هذه الحرب.
لقد كُتبت شرائع حقوق الإنسان لتكون مرجعية أخلاقية وقانونية، تضمن كرامة الإنسان وتحمي حقه في الحياة. لكن الواقع اليوم يكشف عن فجوة عميقة بين النص والتطبيق. فهذه المبادئ، التي تُدرّس وتُرفع كشعارات، تبدو عاجزة أمام آلة الحرب، أو ربما مُعطّلة بفعل حسابات السياسة والمصالح.
اللبنانيون لا يطلبون المستحيل. مطلبهم بسيط وواضح: أن يعيشوا بسلام، أن يشعروا بالأمان في بيوتهم، وأن يضمنوا لأطفالهم مستقبلًا بعيدًا عن صوت الانفجارات. هذا الحق الطبيعي تحوّل إلى حلم مؤجل، في ظل استمرار التصعيد وغياب أي أفق حقيقي للحل.
إن استمرار هذه المأساة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية. فالصمت لم يعد خيارًا، والتقاعس لم يعد مبررًا. المطلوب موقف واضح، وإجراءات حقيقية توقف هذا النزيف المستمر، وتعيد الاعتبار لقيمة الإنسان، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
رحم الله الذين صاغوا شرعة حقوق الإنسان، فلو كانوا بيننا اليوم، لرأوا كيف تُنتهك مبادئهم في وضح النهار. وبين واقعٍ مؤلم وأملٍ لا ينطفئ، يبقى الرهان على أن يستعيد العالم ضميره، وأن تعود العدالة إلى موقعها الطبيعي، حيث يكون الإنسان أولًا وأخيرًا.