تتناول صحف تركية في تقارير حديثة تحركات أوروبية متزايدة لوضع تصورات بديلة تحسباً لاحتمال تراجع أو انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي، في ظل نقاشات متصاعدة حول مستقبل المنظومة الأمنية الغربية، وانعكاسات ذلك على التوازنات الإقليمية والدولية.
وبحسب صحيفة “حرييت” التركية، بدأت تتبلور داخل دوائر أوروبية وأطلسية ما يوصف بـ“الخطة البديلة”، التي تهدف إلى إعادة صياغة هيكل الدفاع في أوروبا، ليس عبر استبدال حلف الناتو، بل من خلال تعزيز القدرات الأوروبية الذاتية لسد أي فراغ قد ينجم عن تراجع الدور الأمريكي، خاصة في مجالات القيادة والاستخبارات واللوجستيات العسكرية.
وتشير التقارير إلى أن هذه النقاشات لم تتحول بعد إلى سياسة رسمية، لكنها باتت تُطرح في اجتماعات دبلوماسية ورسمية، وأحياناً في لقاءات غير رسمية، ما يعكس دخولها مرحلة بحث متقدمة، خصوصاً في ظل تصاعد الخطابات السياسية داخل بعض الدول الغربية حول مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه الحلف.
ووفق المعطيات الواردة، فإن أبرز التحديات التي تواجه هذا التوجه تتمثل في الاعتماد البنيوي العميق لحلف الناتو على القدرات الأمريكية، سواء في البنية التحتية العسكرية أو أنظمة الاستخبارات أو آليات اتخاذ القرار الاستراتيجي، وهو ما يجعل عملية إعادة التوازن داخل الحلف معقدة وتحتاج إلى وقت طويل.
وفي السياق ذاته، يرى أكاديميون أتراك أن فكرة بناء منظومة أمنية أوروبية مستقلة بالكامل عن الولايات المتحدة تظل محدودة الواقعية على المدى القريب، بسبب الكلفة المالية العالية والقيود الاقتصادية التي تواجه الدول الأوروبية، إضافة إلى صعوبات تتعلق بإعادة تشكيل الثقافة الأمنية داخل المجتمعات الأوروبية.
كما تبرز ضمن النقاشات الداخلية مسألة إعادة تفعيل أنظمة التجنيد الإلزامي في بعض الدول الأوروبية، باعتبارها جزءاً من متطلبات بناء قدرات دفاعية أكثر استقلالية، في حال مضت هذه الدول في تقليص اعتمادها على المظلة الأمريكية.
وفي موازاة ذلك، تتناول تقارير أخرى في الصحافة التركية انعكاسات هذه التحولات على موقع أنقرة، حيث يُطرح احتمال إعادة تقييم السياسة الدفاعية التركية في حال حدوث تغييرات جذرية داخل الناتو، خاصة بالنظر إلى موقع تركيا الجيوسياسي ودورها العسكري داخل الحلف.
وتشير هذه التقارير إلى أن تركيا قد تجد نفسها أمام إعادة صياغة لخياراتها الاستراتيجية، سواء في علاقتها مع أوروبا أو في توازنها بين الشرق والغرب، مع احتمال توسع النقاشات حول التعاون العسكري مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين.
وفي هذا الإطار، يذهب بعض المحللين العسكريين الأتراك إلى أن أي تغير كبير في بنية الناتو قد يدفع أنقرة إلى تعزيز تعاونها الثنائي في مجالات دفاعية محددة، تشمل تقنيات الصواريخ والدفاع الجوي، إضافة إلى مجالات متقدمة مثل الأنظمة البحرية والغواصات، في حال توفر الظروف السياسية المناسبة.
كما تطرح بعض الآراء سيناريوهات أوسع تقوم على إمكانية بناء شبكات تعاون متعددة الأطراف تضم قوى كبرى مثل الصين وروسيا، وربما أطرافاً إقليمية أخرى، في حال تراجع الإطار التقليدي للتحالفات الغربية.
ومع ذلك، تبقى هذه السيناريوهات ضمن نطاق التحليل والتقدير المستقبلي، في ظل استمرار حلف الناتو كأحد أبرز أعمدة النظام الأمني الغربي، وعدم صدور أي قرارات رسمية بشأن تغييرات جوهرية في بنيته أو دور الولايات المتحدة داخله حتى الآن.