فتح إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران باب التساؤلات حول ما سيأتي بعد توقف العمليات العسكرية، في ظل تجارب سابقة أظهرت أن غياب الرؤية السياسية قد يحوّل الهدنة إلى مرحلة انتقالية نحو صراع أكثر تعقيداً. فالتاريخ الحديث للتدخلات العسكرية في الشرق الأوسط يشير إلى أن نهاية المعارك لا تعني بالضرورة نهاية الأزمات، بل قد تمثل بداية مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
دروس 1991 تعود إلى الواجهة:
تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» يستحضر تجربة حرب الخليج الأولى عام 1991، التي قادتها الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت ضمن عملية «عاصفة الصحراء» هذه الحرب انتهت بنجاح عسكري واضح، بعد تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية العراقية، إلا أنها لم تُترجم إلى استقرار سياسي دائم.
في تلك المرحلة، قررت واشنطن التوقف عند حدود تحرير الكويت، دون إسقاط نظام صدام حسين، وهو قرار قُدّم على أنه محاولة لتجنب الانزلاق إلى احتلال طويل. غير أن هذا الخيار خلق واقعاً سياسياً هشاً، إذ بقي النظام قائماً رغم رفضه دولياً، دون وجود خطة واضحة للتعامل معه.
التناقض بين الأهداف والنتائج:
المشكلة الجوهرية التي برزت بعد عام 1991 تمثلت في التباين بين الأهداف السياسية والوسائل العسكرية. الولايات المتحدة لم تكن ترغب في استمرار النظام العراقي، لكنها لم تكن مستعدة لتحمل كلفة إسقاطه، ما أدى إلى حالة من الجمود الإستراتيجي استمرت سنوات.
هذا التناقض جعل الحرب تبدو ناجحة عسكرياً، لكنها فشلت في تحقيق هدف سياسي مستقر، وهو ما أدى إلى استمرار التوترات في المنطقة.
عقد من الاحتواء:
في أعقاب الحرب، دخلت واشنطن في سياسة احتواء استمرت نحو 12 عاماً، اعتمدت على فرض عقوبات اقتصادية واسعة، وإنشاء مناطق حظر جوي، وتنفيذ ضربات عسكرية متقطعة. هذه السياسة لم تُنهِ الأزمة، بل ساهمت في إضعاف العراق دون تغيير النظام.
العقوبات أثارت انتقادات دولية واسعة بسبب آثارها الإنسانية، في حين تآكل الدعم الدولي تدريجياً. وعلى الصعيد الداخلي الأمريكي، تصاعدت الضغوط من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإيجاد حل جذري، ما مهّد في النهاية لغزو العراق عام 2003.
من احتواء إلى حرب شاملة:
الانتقال من سياسة الاحتواء إلى الغزو العسكري عام 2003 يوضح كيف يمكن أن تتحول حرب محدودة الأهداف إلى صراع واسع ومكلف. ما بدأ كعملية عسكرية قصيرة عام 1991 انتهى باحتلال طويل الأمد، وتداعيات إقليمية استمرت لسنوات.
هذه التجربة تشكل، وفق التحليل، نموذجاً تحذيرياً لأي مسار مشابه في التعامل مع إيران.
إيران وسيناريو ما بعد الهدنة:
الوضع الحالي مع إيران يحمل ملامح مشابهة. العمليات العسكرية التي بدأت أواخر فبراير 2026 بقيت ضمن نطاق الضربات الجوية والبحرية، دون تطور إلى غزو بري شامل هذا النمط يجعل المقارنة مع حرب 1991 أكثر دقة من تجربة 2003.
إذا انتهى النزاع الحالي بإضعاف القدرات الإيرانية دون تغيير النظام، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة مماثلة: خصم لا تقبله سياسياً، دون وجود إستراتيجية واضحة للتعامل معه.
خطر تكرار الاحتواء:
التحليل يحذر من أن العودة إلى سياسة الاحتواء قد تؤدي إلى دورة جديدة من التوتر. إيران، حتى في حال تراجع قدراتها، ستظل لاعباً إقليمياً قادراً على التأثير عبر أدوات عسكرية وشبكات نفوذ في المنطقة.
استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد يؤدي إلى ردود فعل مضادة، ويزيد من احتمالات المواجهة غير المباشرة، ما يطيل أمد الصراع بدل إنهائه.
تأثيرات على الاقتصاد العالمي:
أي سياسة احتواء طويلة لإيران قد تكون لها تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل موقع إيران الجغرافي وتأثيرها على أسواق الطاقة. التوتر المستمر قد يؤدي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز، وارتفاع الأسعار، ما ينعكس على الاقتصاد الدولي.
كما أن فرض عقوبات إضافية قد يواجه رفضاً من بعض الدول، ما يضعف فعالية هذه السياسة مقارنة بما كان عليه الوضع في تسعينيات القرن الماضي.
خيارات لتفادي الفشل:
انطلاقاً من دروس ما بعد 1991، يقترح التحليل تبني نهج أكثر توازناً يقوم على الجمع بين الضغط والانخراط السياسي. هذا النهج يتطلب قبول استمرار النظام الإيراني ضمن شروط محددة، تشمل الحد من البرنامج النووي، وتقليص تطوير الصواريخ، ووقف دعم الحلفاء في المنطقة.
في المقابل، يمكن تقديم حوافز مثل تخفيف العقوبات وفتح قنوات للتعاون الاقتصادي، ما قد يساهم في تحقيق استقرار تدريجي.
معضلة الخطاب السياسي:
أحد التحديات الرئيسية يتمثل في الخطاب السياسي، الذي غالباً ما يصوّر الخصوم بصورة مطلقة، ما يجعل أي تسوية تبدو تنازلاً. هذا ما حدث في حالة العراق، وقد يتكرر مع إيران، ما يقيّد خيارات صانعي القرار.
عالم متعدد الأقطاب:
السياق الدولي الحالي يختلف عن مرحلة ما بعد الحرب الباردة. في عام 1991، كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة، أما اليوم فتواجه منافسة من قوى كبرى مثل الصين وروسيا. هذا التغير يجعل أي إستراتيجية طويلة الأمد أكثر تعقيداً، ويحد من القدرة على فرض سياسات أحادية.
ما بعد وقف إطلاق النار:
الخلاصة التي يطرحها التحليل أن نجاح وقف إطلاق النار لا يعتمد على الاتفاق نفسه، بل على ما يليه من خطوات. الهدنة قد تمثل فرصة لإعادة بناء مسار سياسي، لكنها قد تتحول إلى محطة مؤقتة تسبق جولات جديدة من الصراع.
غياب إستراتيجية واضحة تربط بين الأهداف والوسائل قد يعيد إنتاج أخطاء الماضي، ويضع المنطقة أمام دورة جديدة من الأزمات. بناء مسار مستدام يتطلب رؤية طويلة الأمد تأخذ في الاعتبار التوازنات الإقليمية والدولية، وتتفادى الوقوع في فخ الحلول المؤقتة التي أثبتت محدوديتها في السابق.