واقع التفاوض في لبنان بين الضغط والسياسة

2026.04.07 - 04:40
Facebook Share
طباعة

يُطرح التفاوض في الخطاب السياسي بوصفه خياراً أساسياً لتسوية النزاعات، غير أن التجربة التاريخية في المنطقة، ولا سيما في الصراع مع إسرائيل، يكشف أن المسار لا يعمل بمعزل عن موازين القوة، بل يتشكل في ظلها ويتحدد بنتائجها وفي هذا السياق، أعاد حديث رئيس الجمهورية جوزيف عون حول اعتماد التفاوض كخيار للدولة اللبنانية طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة التفاوض: هل هو مسار مستقل بذاته، أم نتيجة مباشرة لضغوط تُفرض خارج طاولة الحوار؟
تقدم التجارب العربية إجابة واضحة إلى حد بعيد، إذ يظهر التفاوض عادة في اللحظات التي تتوافر فيها عناصر ضغط حقيقية على الطرف الآخر. فالتاريخ الحديث للصراع يشير إلى أن أي تقدم سياسي لم يكن منفصلاً عن تحولات ميدانية سبقتْه، سواء على المستوى العسكري أو في ميزان الردع العام. وفي المقابل، عندما يغيب هذا العامل، يتحول التفاوض إلى مسار غير متكافئ، تُفرض خلاله الشروط من جانب واحد.
منذ اتفاقيات الهدنة عام 1949، دخلت الدول العربية في مسارات تفاوضية مبكرة مع إسرائيل، غير أن هذه المسارات افتقرت إلى التوازن، ما حدّ من قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة واستمر هذا النمط حتى حرب تشرين 1973، التي شكّلت نقطة تحول نسبية، إذ ساهمت في كسر صورة التفوق المطلق، وفتحت المجال أمام مفاوضات لاحقة، من أبرزها اتفاق كامب ديفيد عام 1978. رغم أن الاتفاق يُقدَّم غالباً كنموذج دبلوماسي، فإن سياقه يرتبط مباشرة بنتائج تلك الحرب، التي فرضت واقعاً جديداً على طاولة التفاوض.
وفي الحالة اللبنانية، تبرز تجربة الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 كمثال على العلاقة بين الميدان والسياسة فقد جاء الانسحاب بعد سنوات من الاستنزاف، ما أدى إلى رفع كلفة البقاء بالنسبة لإسرائيل، وجعل خيار الانسحاب أكثر ترجيحاً ولم يكن القرار نتيجة مفاوضات مباشرة، بل انعكاساً لتغير في ميزان القوى. كذلك في حرب تموز 2006، ارتبط صدور القرار 1701 بمسار ميداني حال دون تحقيق أهداف إسرائيلية كاملة، ما دفع إلى قبول صيغة تسوية لم تكن مطروحة في بداية المواجهة.
في المقابل، تقدم تجربة أوسلو مثالاً مختلفاً، حيث دخلت منظمة التحرير الفلسطينية مسار التفاوض في ظل ظروف سياسية وعسكرية ضعيفة، عقب خروجها من لبنان وتراجع الدعم الإقليمي وفي ذات السياق، تمكنت إسرائيل من فرض شروطها إلى حد كبير، ما انعكس لاحقاً على مسار القضية الفلسطينية ونتائج العملية السياسية.
تُظهر هذه النماذج أن التفاوض لا ينفصل عن البيئة التي يُجرى فيها، وأن نتائجه ترتبط بقدرة كل طرف على التأثير في موازين القوى فالتفاوض، في جوهره، ليس بديلاً عن أدوات الضغط، بل امتداد لها بوسائل سياسية. وعليه، فإن فعاليته تتوقف على حجم الأوراق التي يمتلكها كل طرف، وقدرته على توظيفها ضمن مسار تفاوضي واضح.
وفي الحالة اللبنانية، يطرح هذا الواقع تحديات تتعلق بكيفية إدارة التفاوض، لا من حيث المبدأ،وانما من حيث الشروط التي تحكمه. إذ إن أي مسار تفاوضي لا يستند إلى عناصر قوة كافية قد يواجه صعوبات في تحقيق نتائج متوازنة، في حين أن وجود أوراق ضغط يمنح الدولة هامشاً أوسع للمناورة.
ويستدعي ذلك قراءة متأنية للتجارب السابقة، سواء في لبنان أو في الإطار العربي الأوسع، بهدف استخلاص الدروس المرتبطة بإدارة التفاوض في بيئة معقدة. فالمسألة لا تتعلق برفض التفاوض أو تبنيه، بل بكيفية صياغته ضمن معادلة تضمن تحقيق المصالح الوطنية، وتحد من احتمالات فرض شروط غير متكافئة.
في ضوء ذلك، يظهر أن التفاوض الفعّال يتطلب توازناً بين المسارين السياسي والميداني، بحيث يشكل كل منهما داعماً للآخر. ومن دون هذا التوازن، يبقى التفاوض عرضة للجمود أو لنتائج محدودة، لا تعكس بالضرورة مصالح الأطراف المنخرطة فيه. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4