حذّر تقرير أفريقي أممي من تداعيات متصاعدة قد تطال القارة الأفريقية على المستويين الجيوسياسي والاقتصادي، في حال استمرار الحرب في الشرق الأوسط، وسط متابعة متزايدة لأعمال مجلس السلم والأمن الأفريقي الذي بدأ ولاية جديدة عقب انتخابات فبراير/شباط الماضي.
وسلطت مؤسسات أفريقية ودولية الضوء على تنامي الضغوط الاقتصادية التي تواجهها دول القارة، نتيجة استمرار النزاع، وما يرافقه من اضطرابات في الأسواق العالمية.
وأكد التقرير أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والمواد الغذائية والأسمدة، بالتوازي مع تراجع 29 عملة أفريقية، يعمّق هشاشة الاقتصادات المحلية، ويضع الأمن الغذائي في عدد من الدول أمام تحديات جدية.
وصدر هذا التقييم ضمن تقرير مشترك أعده كل من البنك الأفريقي للتنمية، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا.
وجاء نشر التقرير على هامش الدورة الثامنة والخمسين للجنة الاقتصادية لأفريقيا، التي انعقدت في مدينة طنجة المغربية.
وفي هذا السياق، اعتبر مفوض الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف أن استمرار التصعيد يحمل انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة، والأمن الغذائي، وقدرة الاقتصادات على الصمود، لا سيما في القارة الأفريقية التي تعاني أساساً من ضغوط اقتصادية متراكمة.
وأشار باحثون مختصون بالشأن الأفريقي إلى أن التحذيرات الصادرة تعكس إدراكاً متزايداً لعمق الترابط بين الأزمات الدولية والتحديات الداخلية التي تواجهها دول القارة.
وأوضحوا أن أفريقيا لم تعد بمنأى عن هذه التحولات، سواء من حيث تأثيرات تقلب أسعار الطاقة والغذاء، أو من خلال تصاعد التنافس الدولي على النفوذ والموارد، وهو ما ينعكس على بؤر التوتر الهشة داخل القارة.
وفيما يتعلق بقدرة مجلس السلم والأمن الأفريقي على التعامل مع هذه التحديات، أكد الباحثون أن بدء ولايته الجديدة للفترة (2026-2028) يمثل محطة مفصلية في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية إضافية بالنظر إلى تركيبة المجلس التي تضم 15 دولة تمثل مختلف أقاليم القارة، في محاولة لتحقيق توازن جغرافي ومؤسسي يعزز شمولية التعاطي مع النزاعات.
وعن إمكانية تسوية النزاعات الكبرى، دعا الباحثون إلى تبني مقاربة واقعية، مشيرين إلى أن المجلس يمتلك أدوات متقدمة تشمل الإنذار المبكر والوساطة وعمليات دعم السلام، إلا أنه يظل مقيداً في كثير من الأحيان باعتبارات السيادة الوطنية وتوازنات القوى الإقليمية.
وبناءً على ذلك، يُرجح أن يظل الدور الأكثر فاعلية للمجلس في إدارة الأزمات واحتوائها، بدلاً من حسمها بشكل نهائي، ما لم يتوافر دعم سياسي قوي وإرادة جماعية لتعزيز الحلول التوافقية بين الدول الأعضاء.
كما أشار الباحثون إلى أن تشابك المصالح الدولية والإقليمية داخل النزاعات الأفريقية بات يمثل تحدياً إضافياً، حيث لم تعد هذه النزاعات ذات طابع داخلي صرف، بل أصبحت جزءاً من صراعات أوسع، ما يعقّد فرص التسوية ويطيل أمد الأزمات.
وفي المقابل، رأى الباحثون أن المجلس لا يزال قادراً على لعب دور مهم في خفض حدة التوترات، شريطة الحفاظ على استقلالية قراراته، وتعزيز التنسيق مع التكتلات الإقليمية، وتفعيل أدوات الدبلوماسية الوقائية بشكل أكثر استباقية.
كما شددوا على ضرورة توسيع نطاق المعالجة ليشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للنزاعات، إذ إن ضعف التنمية وهشاشة مؤسسات الدولة وتفاقم الأوضاع المعيشية تشكل عوامل رئيسية تغذي عدم الاستقرار، ولا يمكن التعامل معها عبر الأدوات الأمنية فقط.
وخلصت الأستاذة الصباحي إلى أن الولاية الجديدة للمجلس تواجه اختباراً حقيقياً، لا يقتصر على إدارة الأزمات الحالية، بل يمتد إلى إعادة تعريف دوره ضمن نظام دولي متغير.
وأكدت أن نجاح المجلس في هذه المهمة سيعتمد على قدرته على التحول من فاعل تفاعلي إلى فاعل استباقي، إلى جانب تحقيق توازن في علاقاته مع الشركاء الدوليين بما يحفظ أولويات القارة ويعزز استقلالية قرارها.