تدفع الحرب في إيران والتوترات المرتبطة بها الاقتصاد العالمي نحو مرحلة أكثر هشاشة، مع انتقال تداعياتها من المجال العسكري إلى سلاسل الإمداد الحيوية، وعلى رأسها الغذاء والطاقة لم يعد التأثير محصوراً في نطاق إقليمي، بل بات يمتد إلى الأسواق العالمية، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الأساسية.
الخلفية: اضطراب الممرات الحيوية
يشكّل مضيق هرمز أحد أهم شرايين التجارة العالمية، حيث يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي و20% من الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة. أي خلل في حركة الملاحة داخل هذا الممر ينعكس فوراً على تكاليف النقل وأسعار الطاقة، ما يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات تمتد إلى الغذاء والإنتاج الزراعي.
تعطّل حركة السفن أو تحويلها إلى مسارات أطول يزيد زمن الشحن ويضاعف الكلفة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع في الأسواق المستوردة. الدول النامية تقف في مقدمة المتضررين، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الغذاء والطاقة، إضافة إلى محدودية قدرتها على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
الأمن الغذائي تحت الضغط:
تظهر المؤشرات تصاعداً في مخاطر انعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم هناك مئات الملايين ممن يعانون بالفعل من نقص حاد في الغذاء، ومع استمرار الاضطرابات، قد ينضم عشرات الملايين إلى هذه الفئة خلال فترة قصيرة.
ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، بينما يؤدي اضطراب الشحن إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق هذا التداخل بين العوامل المختلفة يجعل الأزمة مركّبة، حيث لا تقتصر على جانب واحد، بل تمتد عبر منظومة مترابطة تشمل الإنتاج والنقل والتوزيع.
تكاليف النقل والتضخم:
شهدت تكاليف النقل ارتفاعاً ملحوظاً مع اضطرار السفن إلى تجنب بعض المسارات أو تحمل مخاطر أعلى. التقديرات تشير إلى زيادة تتراوح بين 15% و25% في تكاليف الشحن، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية.
ارتفاع أسعار النفط يضيف طبقة أخرى من الضغوط، إذ يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والتصنيع، ما يرفع الأسعار النهائية للمواد الغذائية هذا الارتفاع ينتقل بسرعة إلى الأسواق النامية، حيث تشكل المواد الغذائية نسبة كبيرة من إنفاق الأسر.
تأثير الأسمدة والإنتاج الزراعي:
لا تقتصر التداعيات على النقل والطاقة، وانما تمتد إلى الإنتاج الزراعي. تمر كميات كبيرة من الأسمدة عبر مضيق هرمز، وأي تعطّل في تدفقها يؤدي إلى نقص في الإمدادات وارتفاع الأسعار.
نقص الأسمدة يرفع كلفة الزراعة ويؤثر على إنتاج محاصيل أساسية مثل القمح والذرة والأرز هذا التأثير لا يظهر فوراً، لكنه يتراكم مع الوقت، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع الأسعار في المواسم اللاحقة.
توقعات التضخم الغذائي:
تشير التقديرات إلى احتمال ارتفاع معدلات التضخم الغذائي في الأسواق النامية بنسبة تتراوح بين 15% و25% خلال الأشهر المقبلة، مع إمكانية تسجيل مستويات أعلى في بعض الدول، الارتفاع يعكس انتقال الضغوط من سلاسل الإمداد إلى الأسواق المحلية، حيث تتحمل الأسر العبء الأكبر.
الدول التي تعاني ضعفاً في احتياطيات النقد الأجنبي أو تعتمد بشكل كبير على الاستيراد تواجه مخاطر أكبر، حيث يصعب عليها تمويل الواردات أو دعم الأسعار داخلياً.
السيناريوهات المحتملة للأزمة:
السيناريو الأول يقوم على استقرار جزئي خلال فترة تتراوح بين 3 و6 أشهر، مع نجاح محدود في إيجاد مسارات بديلة للشحن. في هذا الوضع، ترتفع الأسعار بشكل تدريجي، ويظل التضخم الغذائي ضمن حدود تقارب 15%، وهو ما يمنح الحكومات فرصة لاتخاذ إجراءات تخفيفية.
السيناريو الثاني يفترض استمرار الاضطرابات لفترة تتراوح بين 6 و9 أشهر، مع بقاء الضغوط على سلاسل الإمداد. في هذه الحالة، ترتفع معدلات التضخم الغذائي والطاقة إلى نطاق يتراوح بين 15% و25%، وتصبح الحاجة ملحّة لتدخلات حكومية واسعة لدعم الفئات الأكثر تضرراً.
السيناريو الثالث يقوم على أزمة ممتدة بين 9 و12 شهراً، مع تعطّل طويل في الإمدادات. هذا السيناريو يقود إلى ارتفاع حاد في الأسعار، حيث قد يتجاوز التضخم الغذائي 25% إلى 35%، مع اتساع رقعة الفقر الغذائي وزيادة الضغوط الاجتماعية والسياسية في العديد من الدول.
تداعيات اقتصادية واجتماعية:
يرى مراقبون أن ارتفاع أسعار الغذاء لا يؤثر فقط على القدرة الشرائية، بل يمتد إلى الاستقرار الاجتماعي. الضغوط المعيشية قد تؤدي إلى زيادة معدلات الفقر وارتفاع التوترات داخل المجتمعات، خاصة في الدول التي تعاني أساساً من هشاشة اقتصادية.
كما أن الحكومات تواجه تحديات مزدوجة، تتمثل في الحفاظ على استقرار الأسعار من جهة، وضبط العجز المالي من جهة أخرى، في ظل ارتفاع تكاليف الدعم وتراجع الإيرادات.
خلاصة المشهد:
تؤكد المعطيات أن الحرب في إيران تجاوزت إطارها العسكري، لتصبح عاملاً مؤثراً في الأمن الغذائي العالمي. استمرار الاضطرابات دون حلول فعالة قد يؤدي إلى موجة تضخم واسعة، وتفاقم الأزمات الإنسانية، وتزايد الضغوط على الاقتصادات النامية.
التعامل مع هذه الأزمة يتطلب تنسيقاً دولياً لتأمين سلاسل الإمداد، وتبني سياسات مرنة تتيح مواجهة الصدمات، قبل أن تتحول التداعيات إلى أزمة عالمية أعمق يصعب احتواؤها.