أثار إسقاط طائرة عسكرية أمريكية داخل الأراضي الإيرانية مخاوف متزايدة في واشنطن من احتمال تحوّل الحادث إلى أزمة رهائن، مع استمرار الغموض حول مصير أحد الطيارين، وتزايد المؤشرات على تحرك إيراني لاستغلال الموقف ميدانياً وسياسياً.
ذكرت صحيفة "تايمز" البريطانية، في تقرير أعدّه جورج غريلز من واشنطن، أن صوراً التُقطت في موقع الحادث أظهرت مقعد قذف في صحراء إيران، وهو دليل على نجاة أحد أفراد الطاقم، بينما لا يزال الطيار الثاني مفقوداً، الأمر الذي يرفع مستوى القلق داخل الإدارة الأمريكية.
في البداية، أعلنت إيران إسقاط طائرة من طراز "إف-35"، غير أن صور الحطام والتحليلات الأولية كشفت أن الطائرة هي من نوع "إف-15 سترايك إيغل"، وهي مقاتلة مخصصة للضربات بعيدة المدى وتعمل بطاقم مكوّن من شخصين، وهو ما يعزز فرضية وجود طيار ثانٍ لم يُعثر عليه بعد.
ترافق ذلك مع تحرك عسكري أمريكي لاحتواء الموقف، حيث رُصدت طائرات "سي-130 هيركوليس" وهي تزود مروحيات "بلاك هوك" بالوقود جواً على مسافة تتجاوز 100 ميل من الحدود العراقية، ضمن عملية بحث وإنقاذ واسعة تهدف إلى تحديد موقع الطيارين واستعادتهم.
تمكنت القوات الخاصة الأمريكية من إنقاذ أحد الطيارين، الذي يخضع حالياً للعلاج، بينما لا يزال ضابط أنظمة الأسلحة في عداد المفقودين، وسط مخاوف من وقوعه في قبضة جهات إيرانية، الأمر الذي قد يمنح طهران ورقة ضغط حساسة في سياق المواجهة القائمة.
في المقابل، عرضت السلطات الإيرانية مكافآت مالية تصل إلى نحو 60 ألف دولار لمن يعثر على الطيارين، في خطوة تهدف إلى إشراك السكان المحليين في عمليات البحث داخل مناطق صحراوية في محافظة كهكيلوية وبوير أحمد، وهو ما يزيد من تعقيد مهمة القوات الأمريكية ويعزز احتمالات الوصول إلى الطيار المفقود من قبل أطراف غير رسمية.
تزامن الحادث مع حملة عسكرية أمريكية إسرائيلية واسعة ضد إيران، استخدمت خلالها القنابل الذكية بعد استهلاك كميات كبيرة من صواريخ "توماهوك"، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى التأكيد على التفوق الجوي الأمريكي، معتبراً أن الدفاعات الإيرانية باتت عاجزة عن مواجهة الطيران الحربي.
غير أن إسقاط الطائرة أعاد تسليط الضوء على المخاطر الميدانية للعمليات العسكرية داخل الأراضي الإيرانية، وأظهر أن التفوق الجوي لا يلغي احتمالات الخسائر أو الوقوع في مواقف معقدة، خاصة في بيئة قتالية غير مستقرة.
تخشى الإدارة الأمريكية من أن يؤدي تأخر العثور على الطيار المفقود إلى تصعيد سياسي أو إعلامي، خصوصاً إذا تمكنت إيران من احتجازه أو استخدامه كورقة تفاوضية، في ضوء سوابق تاريخية حساسة، أبرزها أزمة احتجاز 66 دبلوماسياً أمريكياً عام 1979 بعد الثورة الإيرانية.
وكان ترمب قد انتقد سابقاً طريقة تعامل إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر مع تلك الأزمة، معتبراً أن السماح باحتجاز مواطنين أمريكيين شكّل إخفاقاً كبيراً، وهو ما يضع الإدارة الحالية أمام اختبار دقيق في إدارة هذا الملف.
كما أن التجارب السابقة في عمليات الإنقاذ خلف خطوط الخصم أظهرت تعقيدات كبيرة على المستويين الاستخباراتي واللوجستي، الأمر الذي يزيد من أهمية عامل الوقت في مثل هذه الحالات.
وتخلص الصحيفة إلى أن الحادثة تمثل تذكيراً واضحاً بالمخاطر المرتبطة بالعمليات العسكرية المعقدة، وتضع واشنطن أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في إنقاذ الطيار المفقود بسرعة، وتفادي تحوّل الواقعة إلى أزمة دبلوماسية قد تزيد من حدة التوتر مع إيران.