ميدان مشتعل وسياسة متعثرة ...لبنان بعد شهر من الحرب

2026.04.02 - 04:00
Facebook Share
طباعة

يدخل العدوان الإسرائيلي على لبنان شهره الأول وسط تصعيد عسكري متواصل وغياب واضح لأي اختراق سياسي يمكن أن يقود إلى وقف إطلاق النار، في وقت تتزايد فيه الخسائر البشرية وتتعمق الأزمة الداخلية والانقسام السياسي.
أسفرت المواجهات منذ اندلاعها عن أكثر من 1300 شهيد، إلى جانب ما يزيد على 3900 جريح، فيما اضطر نحو 20% من السكان إلى النزوح من مناطقهم، في مؤشر على اتساع التأثير الإنساني للحرب وتفاقم الضغوط على البنية الاجتماعية والاقتصادية.
تصعيد ميداني وتوسّع رقعة العمليات:
بدأت المواجهة الحالية في 2 مارس مع دخول حزب الله ساحة القتال عبر استهداف موقع مشمار الكرمل جنوب حيفا، رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في أول تحرك عسكري بعد وقف إطلاق النار المعلن في 27 نوفمبر 2024.
جاء الرد الإسرائيلي سريعاً عبر سلسلة غارات استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق جنوبية، وأسفرت خلال ساعات عن استشهاد 31 شخصاً وإصابة أكثر من 140، قبل أن تمتد الضربات إلى مناطق في البقاع وجبل لبنان.
واصلت إسرائيل التصعيد عبر تكثيف الغارات الجوية وتوسيع بنك الأهداف ليشمل مناطق مدنية وبنى تحتية، إضافة إلى مواقع عسكرية، مع تسجيل ضربات طالت فنادق ومراكز إيواء نازحين ومرافق صحية، إلى جانب استهداف مواقع للجيش اللبناني وقوات اليونيفيل.
كما توسع نطاق إنذارات الإخلاء ليشمل مناطق جنوب نهر الليطاني وأحياء واسعة في الضاحية الجنوبية، من بينها حارة حريك والغبيري والليلكي والحدث وبرج البراجنة، إضافة إلى مناطق في البقاع، ما أدى إلى موجات نزوح إضافية وتزايد الضغط على المناطق الأكثر أمناً.
على الأرض، سُجلت توغلات برية إسرائيلية جنوباً، تحدثت تقارير عن وصولها إلى عمق 14 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، مع عمليات تدمير واسعة للمنازل في القرى الحدودية، ما يشير إلى انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
في المقابل، كثف حزب الله عملياته العسكرية، منفذاً عشرات الهجمات اليومية، تراوح معدلها بين 40 و94 عملية، استهدفت مواقع وتجمعات عسكرية إسرائيلية، بالتزامن مع مواجهات مباشرة على محاور عدة، من بينها عيناتا والخيام والناقورة ودير سريان، أسفرت عن مقتل ضابط وثلاثة جنود إسرائيليين، ليرتفع العدد إلى 10 منذ بداية المواجهة.
قرارات داخلية وتوتر سياسي متصاعد:
على المستوى الداخلي، اتخذت الحكومة اللبنانية سلسلة قرارات أثارت جدلاً واسعاً، أبرزها حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله والدعوة إلى تسليم سلاحه إلى الدولة، إلى جانب حصر دوره في العمل السياسي، وهي خطوات لاقت ترحيباً دولياً لكنها عمّقت الانقسام الداخلي.
كما تقرر التحقق من وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني داخل لبنان، واتخاذ إجراءات صارمة بحق أي نشاط عسكري غير رسمي، إضافة إلى إعادة فرض التأشيرات على المواطنين الإيرانيين، في خطوة تشير إلى تشديد الرقابة الأمنية.
وتصاعد التوتر السياسي بعد قرار سحب اعتماد السفير الإيراني ومنحه مهلة للمغادرة، ما أدى إلى انقسام حاد داخل المؤسسات السياسية، تزامن مع مقاطعة وزراء حزب الله وحركة أمل جلسة حكومية قبل عودتهم لاحقاً، في ظل توازنات دقيقة.
جمود سياسي وحراك دولي محدود:
رغم طرح مبادرة من الرئيس جوزاف عون في 9 مارس، لم تحقق تقدماً ملموساً حتى الآن، في ظل رفض إسرائيلي لها وتمسك بالحل العسكري، إلى جانب تحفظات داخلية على بعض بنودها.
تضمنت المبادرة وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وتعزيز دور الجيش اللبناني في السيطرة على مناطق التوتر، ونزع السلاح، إضافة إلى إطلاق مفاوضات مباشرة برعاية دولية، غير أن غياب التوافق حولها أبقاها دون تنفيذ.
في المقابل، لا يزال الحراك الدولي محدوداً، مع تحركات وُصفت بالخجولة، أبرزها من جانب فرنسا ومصر، دون بلورة مبادرة قادرة على إحداث اختراق فعلي في مسار الأزمة.
تشير مصادر رسمية إلى استمرار الاتصالات مع أطراف دولية فاعلة، مع التأكيد على أن التأخير في الوصول إلى تسوية يزيد من تعقيد الوضع ويعمق الخسائر.
انقسام داخلي وميدان يحكم المشهد:
تؤكد جهات رسمية ضرورة وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، في حين ترى أطراف أخرى أن الأولوية للميدان، مع استمرار العمليات العسكرية ورفض أي مسار سياسي لا يحقق شروطها.
يظهر تباين واضح في المواقف داخل الساحة اللبنانية، ويزيد من صعوبة التوصل إلى موقف موحد، في ظل ظروف إقليمية معقدة وتشابك ملفات متعددة.
مشهد مفتوح على مزيد من التصعيد:
مع استمرار العمليات العسكرية وتراجع فرص الحل السياسي، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد، خاصة مع اتساع رقعة المواجهات وتزايد الضغوط الإنسانية والاقتصادية.
تتصاعد المخاوف من امتداد الأزمة إلى نطاق أوسع، في ظل ارتباط الساحة اللبنانية بتوازنات إقليمية معقدة، ما يجعل أي تأخير في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 3