تسببت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في اضطرابات واسعة بالاقتصاد العالمي، كان أبرزها الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، نتيجة تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز عالميًا.
هذا التعطل انعكس مباشرة على الأسواق، حيث ارتفع سعر خام برنت بنسبة 53% منذ 27 فبراير، ليصل إلى 112.57 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع تراجع التوقعات بقرب انتهاء الحرب. كما صعدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من 50%، لتتراوح بين 55 و62 يورو لكل ميغاوات/ساعة، ما أدى إلى موجة تضخم طالت العديد من الدول.
تأثيرات مباشرة على الدول
في العراق، تعرض الاقتصاد لضربة قوية بعد تراجع صادرات النفط بشكل حاد، نتيجة إغلاق مضيق هرمز الذي أعاق وصول السفن إلى موانئ التصدير الجنوبية. وكانت صادرات البلاد تبلغ نحو 3.6 ملايين برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب، ما يجعل توقفها تهديدًا مباشرًا لإيرادات الدولة.
أما اليمن، فيواجه أزمة مضاعفة، إذ أدى دخول الحوثيين في الحرب إلى تفاقم التحديات الاقتصادية، مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والأدوية. ويعاني اليمن أصلًا من فقر يصل إلى 80% وبطالة تقارب 35%، ما يجعل تأثير الحرب سريعًا وشديدًا بسبب اعتماد البلاد على الاستيراد.
في مصر، أعلنت الحكومة إجراءات تقشفية، حيث قرر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إبطاء تنفيذ المشاريع الكبرى كثيفة الاستهلاك للطاقة لمدة شهرين، وخفض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية بنسبة 30%. كما تم تقليص ساعات عمل المتاجر والمطاعم، واعتماد العمل عن بعد في بعض القطاعات، لمواجهة تضاعف فاتورة الطاقة.
في تركيا، تدخل البنك المركزي لحماية العملة عبر بيع ذهب بقيمة 8 مليارات دولار، إضافة إلى بيع عملات أجنبية بنحو 45 مليار دولار منذ بداية الحرب، في محاولة لاحتواء الضغط على الليرة.
أما روسيا، فاتخذت مسارًا مختلفًا، إذ تستعد لفرض حظر على تصدير البنزين بدءًا من أبريل حتى نهاية يوليو، للسيطرة على الأسعار الداخلية، في وقت يُتوقع أن تستفيد ماليًا من ارتفاع أسعار النفط بعد تخفيف القيود الأمريكية على صادراتها.
في الولايات المتحدة، تراجعت ثقة المستهلكين إلى أدنى مستوى خلال ثلاثة أشهر، مع ارتفاع أسعار البنزين إلى 3.98 دولارات للغالون، وانخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 6.7%، ما يعكس القلق من التضخم وتباطؤ الاقتصاد.
في أوكرانيا، برزت أزمة وقود، حيث أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي العمل على اتفاقات لتأمين إمدادات الديزل، مع تحذيرات من نقص حاد قد يصل إلى 90% من إجمالي العجز المتوقع.
أوروبا بين العجز والدعم المحدود
في بريطانيا، تواجه الحكومة تحديات مالية كبيرة، إذ حذر معهد الدراسات المالية من عجز متزايد، ما يضع وزيرة الخزانة راشيل ريفز أمام خيارات صعبة بين زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق أو الاقتراض.
أما فرنسا، فتعاني من عجز مالي سابق، ما حدّ من قدرتها على تقديم دعم واسع، واكتفت بإجراءات محدودة لدعم قطاعات مثل الزراعة والنقل بكلفة 70 مليون يورو.
في إسبانيا، أقر البرلمان حزمة تخفيضات ضريبية بقيمة 5 مليارات يورو، شملت خفض ضريبة القيمة المضافة على الطاقة من 21% إلى 10%.
كما خفّضت إيطاليا الضرائب على الوقود بنسبة 20% مؤقتًا، في خطوة تكلف الخزينة 417 مليون يورو، بالتوازي مع تحركات لتعزيز إمدادات الغاز من الجزائر.
وفي بولندا، تم خفض ضريبة الوقود من 23% إلى 8%، مع فرض سقف يومي للأسعار للحد من تأثير الارتفاعات على المستهلكين.
آسيا تستعد لأسوأ السيناريوهات
في اليابان، قررت الحكومة زيادة الاعتماد على محطات الفحم لتوليد الكهرباء، بهدف تقليل استهلاك الغاز الطبيعي المسال الذي يمثل نحو 30% من إمدادات الطاقة.
أما كوريا الجنوبية، فقد حذرت من مخاطر اقتصادية كبيرة، مع تعهد الحكومة باتخاذ إجراءات طارئة وتأمين الاحتياجات الأساسية، وسط اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
وفي الهند، بدأت تظهر مؤشرات تباطؤ اقتصادي، مع ارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 1.3% من الناتج المحلي، وتوقعات بتأثر ميزان المدفوعات بأكثر من 130 مليار دولار، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج واضطراب الإمدادات.
أزمة عالمية مفتوحة
تعكس هذه التطورات اتساع نطاق التأثير الاقتصادي للحرب، من أسواق الطاقة إلى سلاسل الإمداد والتضخم، مع اضطرار الحكومات لاتخاذ إجراءات استثنائية لمواجهة الأزمة.
ومع استمرار التوتر وتعطل الإمدادات، تبدو الأسواق العالمية أمام مرحلة من عدم الاستقرار، قد تمتد آثارها إلى المدى المتوسط والطويل، خاصة إذا استمر التصعيد العسكري في المنطقة دون تسوية قريبة.