مع تصاعد التوتر العسكري على الحدود اللبنانية الإسرائيلية وازدياد المخاوف من تحول المواجهة إلى حرب واسعة، أعادت فرنسا طرح مبادرة دبلوماسية جديدة تهدف إلى احتواء التصعيد. غير أن هذا التحرك لا يقتصر، بحسب مراقبين، على محاولة وقف العمليات العسكرية فحسب، بل يمتد ليشمل ترتيبات سياسية وأمنية أوسع داخل لبنان.
ظهرت ملامح المبادرة الفرنسية في بداية الشهر الحالي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة. ورغم أن باريس تتحدث رسميا عن جهود دبلوماسية تهدف إلى منع توسع الحرب، يرى عدد من الخبراء أن المبادرة تحمل أهدافا أبعد من مجرد وقف إطلاق النار.
مبادرة لمنع الانهيار
في هذا السياق، اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استضافة محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في العاصمة باريس، في خطوة تهدف إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار على الجبهة الجنوبية.
وجاء هذا الطرح بعد اتصال أجراه ماكرون مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، شدد خلاله على ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لتفادي انهيار الوضع في لبنان. وقال ماكرون إن المجتمع الدولي يجب أن يبذل كل ما يستطيع لمنع البلاد من الانزلاق نحو الفوضى.
كما دعا إسرائيل إلى استغلال هذه الفرصة للدخول في مناقشات تؤدي إلى وقف إطلاق النار والتوصل إلى حل طويل الأمد، مؤكدا ضرورة تمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها.
ترتيبات أمنية في الجنوب
تشير مصادر دبلوماسية أوروبية إلى أن المبادرة الفرنسية تتضمن أفكارا تتعلق بإعادة تنظيم الوضع الأمني في جنوب لبنان. ومن بين المقترحات المطروحة تعزيز انتشار الجيش اللبناني في المناطق الحدودية، إضافة إلى توسيع دور قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل".
وتهدف هذه الخطوات، بحسب هذه المصادر، إلى تقليل الاحتكاك المباشر بين حزب الله والجيش الإسرائيلي ومنع تحول المواجهات المحدودة إلى حرب شاملة.
وفي تصريحات علنية، انتقد ماكرون أيضا تحركات حزب الله، الذي يعتبر حليفا لإيران، معتبرا أن تصرفاته تسهم في زيادة التوتر. وفي الوقت نفسه، دعا إسرائيل إلى وقف عملياتها العسكرية واسعة النطاق والغارات الجوية المكثفة، خاصة في ظل موجات النزوح الكبيرة التي يشهدها لبنان نتيجة القصف.
انتقادات لدور حزب الله
من جهته، قال الممثل الشخصي للرئيس الفرنسي في لبنان، جان إيف لودريان، إن مشاركة حزب الله في الصراع الإقليمي وضعت مصالح إيران في مواجهة المصالح الوطنية اللبنانية.
وأضاف لودريان، في مقابلة إذاعية، أن الرد الإسرائيلي على هذه التطورات كان مفرطا، لكنه اعتبر أن المسؤولية الأساسية عما يجري في لبنان تقع على عاتق حزب الله.
وفي ظل تفاقم الأزمة الإنسانية، أعلنت الحكومة الفرنسية عن إرسال مساعدات عاجلة إلى لبنان. وكشف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو عن شحنة مساعدات إنسانية تزن نحو 60 طنا مخصصة للمدنيين الذين نزحوا من جنوب البلاد.
كما تستعد باريس لتقديم دعم عسكري للجيش اللبناني، من خلال تزويده بعشرات ناقلات الجنود المدرعة بهدف تعزيز قدراته في حفظ الأمن والاستقرار.
ما الذي يجري خلف الكواليس؟
ورغم ما يعلن رسميا عن أهداف المبادرة، تشير بعض التحليلات إلى أن ما يجري في الكواليس قد يكون أكثر تعقيدا. فبحسب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية في باريس زياد ماجد، لا تزال المبادرة في مرحلة غير رسمية، لكن بعض التسريبات بدأت تكشف ملامح ما يدور في الخلفية.
ويرى ماجد أن الهدف الأول للمبادرة يتمثل في وقف إطلاق النار، بينما يتمثل الهدف الثاني في الدفع نحو معالجة مسألة سلاح حزب الله عبر المؤسسات الأمنية اللبنانية، وخاصة الجيش، مع تقديم ضمانات أمنية لإسرائيل.
ووفق هذا التصور، قد تتم عملية نزع السلاح تحت إشراف دولي تشارك فيه فرنسا والولايات المتحدة.
أما الهدف الثالث، فقد يكون أكثر حساسية، إذ يتعلق بفتح مسار تفاوضي جديد بين لبنان وإسرائيل قد يقود مستقبلا إلى تفاهمات أوسع بين الطرفين. ويرى بعض المحللين أن مثل هذا المسار قد يشكل خطوة غير مباشرة نحو نوع من التطبيع بين البلدين.
ومن بين الأفكار المطروحة أيضا بحث مستقبل المناطق الحدودية، سواء من خلال انسحاب إسرائيلي منها أو تحويلها إلى منطقة عازلة خالية من السكان.
نفي فرنسي وتقارير متضاربة
في المقابل، نفت وزارة الخارجية الفرنسية وجود خطة متكاملة تهدف إلى إنهاء الصراع بين حزب الله وإسرائيل. وجاء هذا النفي بعد نشر تقرير إعلامي تحدث عن مقترح فرنسي يتضمن اعتراف لبنان بإسرائيل كجزء من تسوية شاملة.
وأكدت الوزارة أن فرنسا دعمت فقط فكرة إجراء محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، وعرضت تسهيل هذه المفاوضات، مشددة على أن تحديد جدول الأعمال يجب أن يكون بيد الطرفين المعنيين.
لكن التقرير الذي نشره موقع "أكسيوس" أثار جدلا، إذ أصر الصحفي باراك رافيد على صحة المعلومات التي نشرها، مؤكدا أن هناك وثيقة فرنسية بالفعل تشير إلى وجود خطة واضحة.
حسابات إستراتيجية لباريس
يرى بعض الباحثين أن التحرك الفرنسي يعكس أيضا رغبة باريس في منع انهيار الدولة اللبنانية بالكامل، لأن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى فوضى أمنية واسعة يصعب السيطرة عليها.
كما أن استمرار الحرب في لبنان قد يؤثر على الاستقرار في منطقة البحر المتوسط ويهدد طرق التجارة والطاقة التي تربط الشرق الأوسط بأوروبا.
وفي هذا السياق، قال الباحث والمحلل السياسي جيرالد أوليفيه إن فرنسا تسعى أيضا إلى استعادة دورها التقليدي في الملف اللبناني بعد سنوات من تراجع نفوذها لصالح قوى إقليمية أخرى.
ولا يستبعد أوليفيه أن تقود الترتيبات المستقبلية إلى شكل من أشكال التطبيع غير المباشر بين لبنان وإسرائيل ضمن إطار إقليمي أوسع.
تحديات أمام المبادرة
رغم الحراك الدبلوماسي الفرنسي، لا تزال فرص نجاح المبادرة غير مؤكدة. فالوضع السياسي في لبنان شديد التعقيد، كما أن الحسابات الإقليمية والدولية المتشابكة قد تعرقل أي اتفاق.
ومن بين العقبات المحتملة، الحاجة إلى مشاركة قوى سياسية لبنانية مختلفة في أي مفاوضات حتى يحظى القرار بغطاء وطني واسع.
ويشير زياد ماجد إلى أن فرنسا تسعى إلى ضمان مشاركة ممثلين عن الطائفة الشيعية في الوفد اللبناني المفاوض، لأن أي اتفاق لا يحظى بهذا التمثيل قد يفتقر إلى الشرعية الداخلية.
وفي هذا الإطار، تركز باريس اتصالاتها مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لضمان موافقته على المشاركة في المفاوضات عبر ممثلين عنه، بما يساعد على تشكيل نوع من الإجماع الوطني حول أي اتفاق محتمل.
موقف إسرائيل
إلى جانب التحديات اللبنانية، يظل الموقف الإسرائيلي عاملا حاسما في نجاح أي مبادرة. فإسرائيل ترفض حتى الآن وقف إطلاق النار قبل بدء المفاوضات، وقد تضع شروطا عديدة قد تعرقل التوصل إلى اتفاق.
ويرى بعض المحللين أن أي تسوية قد تتطلب ضغوطا دولية كبيرة، وربما تدخلا أمريكيا مباشرا لفرض ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة في المنطقة الحدودية.
وفي ظل هذه التعقيدات، تبقى المبادرة الفرنسية محاولة جديدة لإدارة الأزمة ومنع تفاقمها، لكن نجاحها سيظل مرتبطا بمدى استعداد الأطراف المختلفة لتقديم تنازلات حقيقية.
وفي منطقة اعتادت أن تتحول فيها المبادرات السياسية إلى مسارات طويلة من المفاوضات والصراعات، يبقى السؤال مطروحا: هل تستطيع فرنسا احتواء التصعيد عبر الدبلوماسية، أم أن مبادرتها لن تتجاوز حدود محاولة تأجيل مواجهة أكبر؟