واجهت إيران بعد عام 1979 واحدة من أطول منظومات العقوبات العسكرية في العالم، شملت حظر تصدير السلاح والتكنولوجيا وقطع الغيار ومع توقف الدعم الغربي، بدأت المؤسسات العسكرية عام 1982 ما عُرف بـ«جهاد الاكتفاء الذاتي»، الذي ركّز على صيانة المعدات المتاحة ثم تصنيع مكوناتها محلياً.
اعتمد هذا المسار على الهندسة العكسية، والتفكيك الانتقائي للمعدات غير الصالحة لإبقاء أنظمة أخرى عاملة، إضافة إلى شبكات توريد غير مباشرة ومع مرور الوقت، تحول الجهد من مرحلة الصيانة إلى قاعدة إنتاج عسكري متكاملة.
تحافظ على مقاتلات معقدة رغم القطيعة التقنية:
مثّلت مقاتلات إف-14 الأمريكية أحد أبرز اختبارات القدرة الصناعية الإيرانية. حصلت طهران على 79 طائرة قبل الثورة، لكنها واجهت لاحقاً تحدياً كبيراً في تشغيلها، إذ تحتاج الطائرة إلى نحو 40 ساعة صيانة مقابل كل ساعة طيران.
رغم ذلك، تشير تقديرات عام 2019 إلى بقاء ما بين 24 و40 طائرة بدرجات جاهزية مختلفة، بعد عقود من تشغيلها دون دعم من الشركة المصنعة. كما طوّرت إيران صاروخ «فكور-90» بديلاً محلياً لصاروخ AIM-54 Phoenix الأصلي، ونجحت في دمجه مع أنظمة التحكم الخاصة بالطائرة.
تبني أكبر ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط:
يمثل برنامج الصواريخ الركيزة الأساسية للعقيدة الدفاعية الإيرانية. ووفق تصريحات القيادة المركزية الأمريكية عام 2022، تمتلك إيران أكثر من 3000 صاروخ باليستي، إضافة إلى مخزون متزايد من صواريخ كروز.
بدأ البرنامج خلال الحرب العراقية الإيرانية، مع استيراد صواريخ سكود في الثمانينيات، قبل تطوير نسخ محلية مثل شهاب-1 وشهاب-2. لاحقاً، انتقلت إيران إلى صواريخ متوسطة المدى تعمل بالوقود الصلب مثل سجيل بمدى يصل إلى نحو 2000 كيلومتر.
وفي عام 2023، أعلنت دخولها مجال الصواريخ الفرط صوتية عبر صاروخ فتاح-1 بسرعة تتراوح بين 13 و15 ماخ ومدى يقارب 1400 كيلومتر، مع قدرة على المناورة خلال المرحلة النهائية.
تختبر القدرة العملياتية في المواجهات المباشرة:
خلال تصعيد يونيو 2025، أطلقت إيران أكثر من 500 صاروخ باليستي خلال 12 يوماً. وبحسب تحليلات أمنية أمريكية، جرى اعتراض 273 صاروخاً من أصل 574، فيما أصاب 49 صاروخاً أهدافاً داخل إسرائيل، بما في ذلك مواقع بنية تحتية.
واستخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل مئات الصواريخ الاعتراضية، بينها أكثر من 150 صاروخاً من منظومة THAAD ونحو 80 صاروخاً من طراز SM-3، ما أثار مخاوف تتعلق بسرعة استنزاف المخزونات الدفاعية في حال استمرار المواجهة لفترة أطول.
توسّع القدرات البحرية وأدوات الضغط الجغرافي:
تمتلك إيران ما بين 28 و30 غواصة تشمل ثلاث غواصات روسية من طراز كيلو، وغواصات محلية متوسطة مثل فاتح، إضافة إلى أسطول كبير من غواصات غدير المصغرة المخصصة للمياه الضحلة.
وتتزامن هذه القدرات مع مخزون يُقدّر بنحو 6000 لغم بحري حتى عام 2025، تشمل ألغاماً تلامسية وأخرى ذكية متعددة التأثير. وتُعد هذه الإمكانات مرتبطة مباشرة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
يرسّخ نموذجاً قائماً على المرونة الصناعية:
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على مزيج من إعادة الاستخدام، والإنتاج المحلي التدريجي، وتطوير بدائل منخفضة الكلفة مقارنة بالأنظمة الغربية المتقدمة وقد توسع هذا النهج من صيانة الطائرات إلى تصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة البحرية.
وتشير التجربة إلى تحول في مفهوم القوة العسكرية، حيث لم تعد القدرات تقاس فقط بالتفوق التكنولوجي، بل بمدى القدرة على الاستمرار والإنتاج تحت الضغط.
يعيد تعريف معادلة الردع:
تبين التجربة الإيرانية نموذجاً يعتمد على الكمّ، والانتشار، والقدرة على التعويض السريع، بدلاً من الاعتماد على منصات محدودة عالية الكلفة.
وفي بيئة تتسم بالعقوبات والعزلة، أصبح العامل الحاسم هو القدرة المؤسسية على التكيّف وإعادة البناء، وهو ما يمنح طهران هامش تأثير يتجاوز حجم اقتصادها وإمكاناتها التقليدية، ويجعل قدراتها العسكرية جزءاً أساسياً من توازنات الردع في الشرق الأوسط.