بعد جولات مكثفة من الاجتماعات والاتصالات الرسمية، وقّعت سوريا ولبنان في السادس من شباط اتفاقية تقضي بنقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى بلدهم، في خطوة وُصفت بأنها بداية مسار جديد لمعالجة أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا بين البلدين. الاتفاق يمنح مهلة تنفيذ لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ما يضع المعنيين أمام سباق زمني لإتمام الإجراءات القانونية المطلوبة.
إرادة سياسية معلنة
وزير العدل السوري، مظهر الويس، اعتبر أن الاتفاق يمثل تقدمًا مهمًا في مسار العدالة، مؤكدًا أن الاتصالات بين الجانبين لم تنقطع منذ كانون الأول 2024، وجرت على مستويات رفيعة، ما يعكس توفر إرادة سياسية لمعالجة الملف بأبعاده القانونية والإنسانية. وأشار إلى أن الاتفاق عالج أوضاع عدد من المحكومين الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون اللبنانية، وأن العمل جارٍ لإعداد خطة زمنية تتناول لاحقًا أوضاع الموقوفين الذين لم تشملهم الاتفاقية الحالية.
من الجانب اللبناني، وصف نائب رئيس الحكومة طارق متري الاتفاق بأنه تتويج لجهد قضائي وقانوني مشترك، شارك فيه قضاة وخبراء من البلدين، معتبرًا أنه يعكس رغبة متبادلة في تنظيم التعاون القضائي على أساس الثقة والاحترام المتبادل.
وكان مجلس الوزراء اللبناني قد أقر الاتفاقية في 30 كانون الثاني، على أن تشمل المحكومين الذين أمضوا أكثر من عشر سنوات حكمًا، أي ما يعادل نحو سبع سنوات فعلية، مع إعلان بيروت نيتها تسليم دمشق أكثر من 300 سجين سوري ضمن الشروط المحددة.
آلية التنفيذ.. والمهلة الضيقة
الاتفاق لا يُنفذ تلقائيًا، بل يتطلب إجراءات فردية لكل سجين. إذ يتوجب على المحكوم تقديم طلب رسمي عبر محاميه يعبّر فيه عن رغبته بالانتقال إلى سوريا. يُدرس الطلب للتأكد من مطابقته لشروط الاتفاق، قبل إحالته إلى إدارة السجن المختص لتنفيذ عملية النقل.
هذه الإجراءات، رغم طابعها الروتيني، تحتاج إلى سرعة في إنجازها، نظرًا لأن مدة الاتفاق محددة بثلاثة أشهر فقط. ويرى متابعون أن نجاح المرحلة الأولى سيحدد إمكانية توسيع الاتفاق ليشمل فئات أخرى، وعلى رأسها الموقوفون الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية.
قراءة قانونية دقيقة
مدير مركز “سيدار للدراسات القانونية وشؤون المهاجرين”، المحامي اللبناني محمد صبلوح، وصف الاتفاق بأنه خطوة إيجابية جدًا، مشيرًا إلى أنه جاء بعد نقاشات حادة واجه فيها الوفد القضائي السوري نظيره اللبناني بمستندات اعتُبرت حاسمة في بعض الملفات.
في المقابل، قدّم المحامي المختص بالقانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني قراءة قانونية أكثر تفصيلًا، موضحًا أن أي اتفاق لنقل السجناء بين دولتين ذاتي سيادة يندرج ضمن إطار التعاون القضائي المشروع في القانون الدولي العام، لكنه يبقى خاضعًا لقيود صارمة، خصوصًا ما يتعلق باحترام حقوق الإنسان.
وأشار إلى أن مبدأ عدم الإعادة القسرية، المنصوص عليه في اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، يمنع تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للتعذيب أو لمحاكمة غير عادلة. كما شدد على ضرورة احترام ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما ما يتعلق بحق الدفاع واستقلال القضاء وعدم التعرض للاحتجاز التعسفي.
وأكد أن الضمانات الخطية لا تكفي وحدها، بل يجب أن ترافقها آليات رقابة مستقلة وشفافة، لأن القيمة الحقيقية لأي اتفاق لا تُقاس بتوقيعه، بل بكيفية تطبيقه على أرض الواقع.
أبعاد إنسانية وسياسية
من الناحية الإنسانية، يتيح الاتفاق للمحكومين قضاء ما تبقى من محكومياتهم قرب عائلاتهم، ما يعزز الروابط الأسرية ويسهل المتابعة القانونية والاجتماعية. كما يسهم في تخفيف الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية، التي تعاني منذ سنوات من ضغط كبير على بنيتها التحتية.
سياسيًا، يعيد الاتفاق تفعيل قنوات التنسيق المؤسسي بين دمشق وبيروت عبر المدخل القضائي، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة. ويرى مراقبون أن معالجة الملف الإنساني قد تمهد لتعاون أوسع في ملفات أخرى، إذا ما أثبت التنفيذ التزامًا فعليًا بالمعايير القانونية.
لكن في المقابل، حذر الكيلاني من مخاطر تسييس الملفات الحقوقية، معتبرًا أن أي إخلال بالمعايير قد يقوض الثقة الدولية، ويحول الاتفاق من فرصة إنسانية إلى مصدر جدل جديد.
بين الإيجابيات والانتقادات
يرى مؤيدو الاتفاق أنه ينظم التعاون القضائي بين دولتين جارتين ضمن إطار قانوني واضح، ويعزز البعد الإنساني في التعامل مع السجناء. في المقابل، انتقد البعض غياب آلية رقابة دولية صريحة، إضافة إلى عدم شمول الموقوفين اللبنانيين بالاتفاق، ما أثار تساؤلات حول العدالة المتساوية.
المحامي محمد صبلوح أشار إلى أن الاتفاق رفع الظلم عن عدد كبير من السوريين، لكنه اعتبر أن غياب اللبنانيين عن المعالجة الحالية يكرّس نوعًا من العدالة الانتقائية، داعيًا إلى مقاربة شاملة تشمل جميع المتضررين.
اختبار التنفيذ
مع دخول الاتفاق حيز التطبيق، يبقى الامتحان الحقيقي في التنفيذ. فالمهلة المحددة بثلاثة أشهر تفرض إيقاعًا سريعًا، فيما تتطلب الضمانات القانونية متابعة دقيقة لكل حالة على حدة. وبين الأبعاد الإنسانية والسياسية والقانونية، يتحول الاتفاق إلى اختبار فعلي لمدى التزام دمشق وبيروت بسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان.
المرحلة الحالية قد تكون بداية مسار أوسع، لكنها في الوقت ذاته لحظة دقيقة تتطلب توازنًا بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية، وبين الاعتبارات السياسية وحقوق الأفراد. وفي هذا التوازن، ستتحدد صورة الاتفاق في الذاكرة القانونية والإنسانية للبلدين.