بعد التنف… الشدادي تنتقل إلى سيطرة الجيش السوري

2026.02.15 - 04:56
Facebook Share
طباعة

 شهد ريف الحسكة الجنوبي تطورًا عسكريًا لافتًا مع إعلان وزارة الدفاع تسلّم قوات الجيش السوري قاعدة الشدادي العسكرية، بعد تنسيق مع الجانب الأمريكي. الخطوة تأتي في سياق تحركات متسارعة تشهدها مناطق شرق سوريا، وسط مؤشرات على إعادة تموضع أوسع لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

القاعدة الواقعة جنوب مدينة الحسكة تُعد من أبرز المواقع العسكرية التي استخدمها التحالف الدولي خلال السنوات الماضية في عملياته ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”. موقعها الجغرافي منحها أهمية استراتيجية، إذ تشرف على طرق إمداد حيوية تربط شمال شرقي سوريا بالعمق العراقي، وتقترب من مناطق شهدت نشاطًا متكررًا لخلايا التنظيم في البادية.


مؤشرات سبقت الإعلان
قبل الإعلان الرسمي عن تسليم القاعدة، رُصدت تحركات غير اعتيادية في محيطها. مصادر محلية تحدثت عن تحليق مكثف للطيران الحربي في أجواء المنطقة، إلى جانب إنزال “بالون المراقبة” الذي كان يُستخدم لأغراض الاستطلاع، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على تغييرات مرتقبة في طبيعة الوجود العسكري داخل القاعدة.

كما سُجلت عمليات نقل لآليات ومعدات عسكرية من داخل القاعدة إلى خارجها، بالتوازي مع إجراءات لوجستية بدت أقرب إلى إخلاء تدريجي ومنظم. هذه التطورات عززت التوقعات بقرب حصول تحول ميداني، وهو ما تأكد لاحقًا بإعلان تسليم الموقع.


من التنف إلى الشدادي
يأتي تسليم قاعدة الشدادي بعد أيام قليلة من انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة قاعدة التنف الواقعة عند المثلث الحدودي السوري-العراقي-الأردني. وكانت التنف تشكل نقطة رئيسية في منظومة الانتشار الأمريكي جنوب البلاد، سواء في إطار العمليات ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” أو في مراقبة الممر الحدودي الحيوي بين سوريا والعراق.

انسحاب التحالف من التنف وتسليم الشدادي يفتحان باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل نحن أمام إعادة انتشار تكتيكية محدودة؟ أم أن التحركات تمهد لتقليص أوسع للحضور العسكري المباشر في سوريا؟

حتى الآن، لا توجد تصريحات تفصيلية توضح حجم التغيير أو مداه الزمني، إلا أن تزامن الخطوتين يمنحهما دلالة تتجاوز الإطار المحلي لكل قاعدة على حدة.


ملف معتقلي التنظيم في الواجهة
تتزامن هذه التطورات مع إعلان التحالف الدولي استكمال نقل عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” المحتجزين في شمال شرقي سوريا إلى العراق، ضمن تنسيق أمني بين بغداد وواشنطن. هذا الملف يرتبط بشكل وثيق بطبيعة الانتشار العسكري في المنطقة، إذ شكّل عبئًا أمنيًا معقدًا خلال السنوات الماضية.

عمليات النقل بدأت باستخدام طائرات مروحية أمريكية من طراز “شينوك”، حيث نُقل سجناء من “سجن الصناعة” في مدينة الحسكة، قبل أن تتحول العملية لاحقًا إلى قوافل برية عبر المعابر الحدودية. وشملت عمليات النقل عدة مراكز احتجاز في محافظة الحسكة كانت تخضع لإدارة قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي.

هذا التحول في آلية النقل، من عمليات محدودة جوًا إلى قوافل منظمة برًا، عكس انتقال الملف من مرحلة تكتيكية إلى مرحلة أكثر شمولًا وتنظيمًا، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على رغبة في إعادة ترتيب المشهد الأمني شمال شرقي البلاد.


أهمية الشدادي في المعادلة الميدانية
تكتسب الشدادي أهميتها من موقعها الرابط بين ريف الحسكة ودير الزور، وقربها من مناطق شهدت خلال السنوات الماضية نشاطًا لخلايا التنظيم. كما أنها شكلت إحدى الركائز اللوجستية لدعم العمليات العسكرية وملاحقة الخلايا النائمة، إضافة إلى تأمين محيط مراكز الاحتجاز والمخيمات التي تضم عائلات عناصر التنظيم.

تسلّم القاعدة من قبل الجيش السوري، بحسب ما أُعلن، تم بعد تنسيق مباشر مع الجانب الأمريكي، ما يعكس طابعًا منظمًا للعملية، بعيدًا عن سيناريو الانسحاب المفاجئ أو الفوضوي. غير أن تفاصيل الاتفاق أو طبيعة التفاهمات المرافقة لم تُكشف بعد، سواء من حيث مدة التنسيق أو احتمالية شمول مواقع أخرى.


مرحلة جديدة أم إعادة تموضع؟
المشهد الحالي في شرق سوريا يبدو مفتوحًا على عدة احتمالات. فإعادة الانتشار قد تعني تخفيفًا في بعض النقاط مقابل تعزيز أخرى، أو نقلًا للثقل العسكري إلى مواقع مختلفة بحسب الأولويات المستجدة. في المقابل، قد يُقرأ تسليم الشدادي ضمن مسار أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ العسكري، خصوصًا في ظل تغيرات إقليمية متسارعة.

ما هو مؤكد أن القاعدة التي لعبت دورًا محوريًا في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” أصبحت الآن تحت إدارة جديدة، في خطوة تعكس تحولًا في توازنات الميدان. ومع استمرار الغموض حول الخطوات التالية، تبقى الأنظار متجهة نحو شرق سوريا لرصد ما إذا كانت الشدادي محطة أولى في سلسلة تحولات أعمق، أم مجرد تعديل موضعي في خارطة الانتشار العسكري.

في كل الأحوال، الحدث لا يقتصر على تغيير علم فوق مبنى عسكري، بل يحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز حدود القاعدة نفسها، وقد تكون له انعكاسات مباشرة على ملف الأمن في المنطقة، وعلى شكل الحضور الدولي فيها خلال المرحلة المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 3