مع حلول رمضان 2026، يواجه الجمهور السوري معضلة درامية جديدة: هل تركز الأعمال التلفزيونية على دراما المعتقلات والوثائق التاريخية أم على الحكايات الاجتماعية المعاصرة؟ سقوط نظام الأسد شكّل نقطة تحوّل مهمة في تاريخ الإنتاج الدرامي، فتح الباب أمام صناع المسلسلات لسرد وقائع كانت مخفية طويلاً، بعضها سرّي وبعضها مطمور في أعماق التاريخ.
في الموسم الرمضاني السابق 2025، لم تسمح الفترة الزمنية القصيرة بين سقوط النظام وحلول الشهر الفضيل للمنتجين بالغوص في خفايا الحقب السياسية، فغلبت الطابع الكوميدي والإضحاك على معظم الأعمال، مع إبراز بعض لحظات التحرير والدهشة العامة لدى السوريين. اليوم، وبعد مرور أكثر من عام، تبدو التجارب أكثر نضجًا، مع أعمال تركز على قراءة التاريخ وتوثيق الأحداث الحساسة، مثل مسلسل "انقلاب حافظ الأسد" و"الخروج إلى البئر"، الذي تناول أهوال معتقل صيدنايا وظروف سجونه القاسية.
الراحة النفسية للجمهور السوري بعد سنوات الحرب الطويلة تمثل محور نقاش مهم. القلق، الحزن، واضطرابات النوم، كلها استجابات طبيعية لصدمة الحرب، وفق علم النفس، ويحتاج السوريون إلى أعمال درامية تخفف الضغط النفسي، وتقدم فسحة ترفيهية بعيدًا عن أهوال الماضي.
الإعلامي فارس الحاج يشدد على أن الجمهور يحتاج اليوم إلى حكايات اجتماعية بسيطة، تدور أحداثها في الحارات السورية، بعيدًا عن السياسة أو الانحياز لأي طرف، مؤكداً أن الغاية الأساسية للدراما هي المتعة والتسلية، خصوصًا بعد فترة طويلة من القلق والتوتر.
مهمة الدراما السورية اليوم، بحسب الحاج، هي التخفيف من الاحتقان المجتمعي، وعدم تصعيد الانقسامات، حتى يتمكن السوريون من الانخراط في مرحلة إعادة الإعمار بطمأنينة. المخرج زاهر سمير قصيباتي يشير إلى أن الأعمال التي توثق حقب النظام السابق غالبًا ما تكون مثقلة بالشحنات السلبية، ويفضل إنتاج أعمال تاريخية لطيفة وذات جودة إنتاجية عالية، مثل مسلسل "صراع الملكة والمنتقم"، مع التركيز على الشخصيات والرسائل الهادفة بعيدًا عن الإسفاف أو التشابه السطحي.
على النقيض، يرى الناقد الدكتور إلياس أبو جراب أن دراما المعتقلات أصبحت مطلبًا جماهيريًا ملحًا، إذ من حق الجمهور الاطلاع على حقائق وطنية بموضوعية وشفافية، مع احترام ذوي الشهداء والناجين. الصحفي محمد ياسين ساس يضيف أن شرط نجاح هذه الأعمال هو توثيق المعلومات بدقة، والابتعاد عن المنتفعين الذين وقفوا مع النظام سابقًا، لضمان مصداقية العمل وعدم تأجيج الغضب أو النقمة على فئات معينة.
الأستاذ جلال الخراط، مدرب مهارات التمثيل، يرى أن معالجة فرضيات جرائم النظام السابق يمكن أن تعزز من قدرات الطلاب على فهم الشخصيات والسياقات السياسية والاجتماعية، وتطوير مهارات التعبير والتفاعل مع الأحداث التاريخية بطريقة فنية وآمنة، دون الإساءة لمشاعر الجمهور أو إثارة الألم النفسي بشكل مباشر.
أما عن دراما البيئة الشامية، فقد فقدت كثير من جاذبيتها، بحسب الناقدين، نتيجة التكرار والأنماط المستهلكة سنويًا. فارس الحاج يؤكد أن الجمهور يفضل الآن حكايات جديدة، بعيدًا عن العنتريات واللغة التقليدية المبتذلة، بينما يشير الدكتور أبو جراب إلى أن الجمهور اكتفى بالبيئة الشامية، ومن الأفضل التريث قبل إعادة إنتاجها، مع إعداد خطة تطويرية لإضفاء الشخصيات الجديدة.
على صعيد آخر، يرى الخراط أن التنوع مطلوب، فالجمهور السوري والعربي يبحث عن أعمال اجتماعية وإنسانية، إضافة إلى الأعمال التاريخية والتراثية، وكذلك الأعمال التي تعالج قضايا الهوية واللجوء، وتعكس التحديات الاقتصادية والسياسية الراهنة. كما يشدد على أهمية وجود مسلسلات كوميدية خفيفة، تلطّف الأجواء النفسية، وتخفف من ضغوط الحياة اليومية بعد سنوات الحرب.
فئة من الجمهور تحلق خارج السرب، خصوصًا المراهقون والشابات في المرحلة الثانوية، وفق التربوية فيروز جزائرلي، حيث يتركزون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي، ويهملون متابعة الدراما التلفزيونية التقليدية، كما أن بعضهم يتابع الدراما الخليجية بدلاً من المحلية.
يبقى المستقبل وحده كفيلًا بحسم الجدل حول أولويات دراما رمضان 2026، وهل سيستمر الميل نحو توثيق أحداث الماضي المؤلمة، أم أن الحكايات الاجتماعية والخفيفة ستكون العنوان الأبرز.