بعد أكثر من عام على وقف إطلاق النار، لا تزال سماء بيروت تُسمع فيها أصوات غير مألوفة، أصوات تذكّر سكان العاصمة بأن الحرب لم تنتهِ بعد. أزيز المسيّرات الإسرائيلية، الذي يبدو أحياناً مجرد طنين بعيد، أصبح جزءاً ثقيلاً من الحياة اليومية. يرافق الناس مكالماتهم الهاتفية، مواعيدهم، وحتى وجبات العشاء، ويخترق دروس الصفوف وحفلات الأسطح وأيام البحر المشمسة.
في أحياء المدينة، يشارك هذا الطنين الطيور المحلية، مثل حمامات إبراهيم عمار، التي يطلقها عند الشفق ضمن لعبة عائلية قديمة تُعرف بـ"كش حمام". عمار، الذي اضطر للنزوح خلال الحرب وترك 220 حمامة لدى صاحب متجر آخر، يقول إن القلق يرافقه دائماً من احتمال عودة القتال. ويضيف وهو يربت على إحدى الطيور: "حتى الحمام يرى المسيّرة عندما تكون بعيدة جدًا"، في إشارة إلى مدى انتشار هذه الأجهزة فوق المدينة.
قوات حفظ السلام تشير إلى تسجيل أكثر من 7500 خرق جوي خلال السنة التي تلت وقف إطلاق النار، مع تصاعد الانتهاكات في الأشهر الأخيرة. وتؤكد مصادر أمنية لبنانية أن بعض هذه المسيّرات مجهزة بأسلحة ويمكنها تنفيذ ضربات دقيقة.
مع مرور الوقت، اكتسبت المسيّرات اسمًا شعبيًا بين البيروتيين: "أم كامل"، وهو تحوير طريف لطرازها الأصلي "إم كيه". تحولت هذه الظاهرة اليومية من مصدر قلق إلى مادة للسخرية، حيث يشارك الناس نكاتاً عن الطنين والأجواء المريبة في مقاهي المدينة.
في جنوب لبنان، حيث الدمار ما زال ممتداً على طول الحدود والنفوذ العسكري لحزب الله واسع، تصبح ضربات المسيّرات شبه يومية. هناك، لا يقتصر عملها على المراقبة بل تبث تحذيرات صوتية للسكان عبر مكبرات الصوت، ما يزيد الشعور بالخوف والرقابة المستمرة.
أما في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، فالأثر واضح على أبسط الأنشطة. يقول سائق التوصيل ماهر يونس إن نظام تحديد المواقع غالباً ما يختل عندما تحوم المسيّرات فوقه، فتتحول الرحلة من متابعة الخريطة إلى سؤال الناس عن الاتجاهات. ويضيف علي سلمان، صاحب متجر صغير، شعوره المستمر بالقلق على عائلته أثناء مراقبته السماء، مع الإحساس بأن شخصاً ما يراقبهم في كل مكان يفترض أن يكون آمناً.
في مواجهة هذا التوتر، يحاول البعض تحويل الإزعاج إلى وسيلة للتعبير والمقاومة. الموسيقار محمد شقير، على سبيل المثال، ثبت ميكروفونين محترفين على سطح منزله في ذروة الحرب، وسجل أكثر من 200 ساعة من طنين المسيّرات. خطته كانت تحويل هذا الصوت إلى مادة موسيقية، أطلق عليها "الآلة الجوية غير المأهولة"، ليتمكن المنتجون والفنانون من أخذ عينات من التسجيلات وإنتاج أعمال موسيقية مبتكرة. يقول شقير إن هذه التجربة تمنحه شعوراً بالتحكم في الصوت الذي يطارده يومياً، مشيراً إلى أن الرسالة واضحة: "إذا كانت المسيّرات تهدف إلى إخافتي، فأنا أثبت العكس".
الطابع اليومي للظاهرة يجعل سكان بيروت يعيشون في حالة ترقب دائم، حيث يمتزج الخوف بالمرونة، والتهديد بالسخرية، والصوت بالخفة الفنية. ومع أن العاصمة قد تبدو عادية من بعيد، إلا أن التفاصيل الصغيرة تكشف واقعاً مختلفاً: كل زاوية، كل شارع، وكل سطح تقريباً مراقب، وكل نكتة عن المسيّرات تحمل خلفها تجربة مباشرة للقلق والحيطة.
حتى الأطفال والطلاب أصبحوا مألوفين مع هذا الطنين، إذ يمزجون بين اللعب والدراسة مع سماع الأصوات العابرة للسماء. ورغم أن البعض يرى في المسيّرات تهديداً، إلا أن آخرين بدأوا بالتكيف، باستخدامها كأداة لتوليد محتوى موسيقي وفني، أو مجرد مصدر حديث يومي يشارك بين الأصدقاء والعائلات.
في النهاية، طنين المسيّرات فوق بيروت لا يعكس فقط استمرار تهديد أمني، بل أيضاً قدرة السكان على التكيف مع الوضع الجديد، والبحث عن طرق لتخفيف القلق من خلال الفكاهة والفن والمقاومة اليومية البسيطة. بيروت، كما يقول الكثيرون، تعلمت أن تعيش مع الطنين، وأن تصنع من الخطر صوتاً، ومن الرعب مادةً للإبداع، ومن الرصد المستمر فرصة لفهم المدينة بطريقة مختلفة.