الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف: قراءة استراتيجية معمقة

2026.02.15 - 08:53
Facebook Share
طباعة

 أعلنت القيادة المركزية الأمريكية انسحاب القوات من قاعدة التنف في سوريا بتاريخ 11 شباط الحالي، في خطوة وصفتها بأنها "جزء من عملية انتقال متعمدة وقائمة على الشروط" من قبل قوة المهام المشتركة- عملية العزم الصلب.

وأكد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، أن القوات الأمريكية ستظل على أهبة الاستعداد للتدخل ضد أي تهديدات من تنظيم "الدولة الإسلامية"، ضمن الدعم المستمر للجهود الإقليمية لمنع عودة ظهور التنظيم. وأضاف أن مواصلة الضغط على التنظيم تبقى "أمرًا بالغ الأهمية لحماية الوطن الأمريكي وتعزيز الأمن الإقليمي".

خلال الشهرين الماضيين، شنت القوات الأمريكية ضربات على أكثر من 100 هدف مستخدمة أكثر من 350 ذخيرة دقيقة، وألقت القبض أو قتلت أكثر من 50 عنصرًا من تنظيم "الدولة"، بحسب بيانات القيادة المركزية.

الانسحاب الأمريكي جاء في ظل تغيرات ميدانية متسارعة في شمال شرقي سوريا، ما أثار تساؤلات حول دوافع القرار وأثره على المستقبل السياسي والأمني في البلاد.


اعتماد أكبر على الحلفاء المحليين والإقليميين
يرى الباحث وائل علوان من مركز "جسور للدراسات" أن أحد أبرز أهداف السياسة الأمريكية في المنطقة هو الاعتماد على الحلفاء المحليين والإقليميين لمكافحة الإرهاب، بما يتيح سحب القوات الأمريكية تدريجيًا. وأوضح أن سقوط نظام الأسد وقيام حكومة سورية جديدة وانخراطها ضمن التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "الدولة"، إلى جانب الموقف الإيجابي لدول الجوار مثل تركيا والأردن والعراق، جعل الانسحاب الأمريكي خطوة طبيعية.

وأضاف علوان أن الولايات المتحدة تسعى لاستقرار المنطقة وإنهاء ملف تنظيم "الدولة" بشكل كامل، وتحويل سوريا إلى منطقة تبادل تجاري مستقر يصب في مصلحة أمريكا وحلفائها، كما تريد اعتماد الحكومة السورية كشريك رئيسي في مكافحة الإرهاب بالتعاون مع الحلفاء الإقليميين.

من جانبه، أشار الباحث عمار جلو من مركز "الحوار للأبحاث والدراسات" في واشنطن إلى أن الانسحاب الأمريكي جزء من استراتيجية أوسع بدأت عام 2009، وتهدف إلى تقليص الانتشار العسكري في مناطق متعددة من العالم، وزيادة التركيز على المنافسة مع الصين ومواجهة التهديدات العالمية المحتملة، مع خفض النفقات الهائلة على الحروب والانتشار العسكري.

وأضاف أن السياسة الأمريكية تركز على دفع الأطراف الإقليمية لممارسة دور أكبر في الأمن المحلي، مع إبقاء الدور الأمريكي داعمًا واستشاريًا، وليس قائمًا على التواجد العسكري الدائم، ما يفسر القرار بالانسحاب من التنف.

وأشار جلو إلى أن الظروف الجديدة في سوريا، بما فيها اتفاق الحكومة السورية مع "قسد"، عززت القرار الأمريكي، حيث يسمح للولايات المتحدة بالتموضع في مناطق قريبة مثل شمال العراق والأردن للتدخل عند الضرورة لمواجهة أي تهديد من تنظيم "الدولة".


الخشية من استهداف إيراني
صرح دبلوماسي غربي أن الانسحاب جاء أيضًا في ظل التوترات الأمريكية الإيرانية، مع مخاوف من استهداف القاعدة عبر أذرع إيران في العراق. وقال إن الإدارة الأمريكية تلقت معلومات عن تحشيدات لهذه الفصائل، ما دفعها لإعادة تموضع قواتها.

كما شهدت المنطقة تحشيدًا أمريكيًا ضخمًا، شمل حاملتي طائرات وحوالي 40 ألف جندي، في ظل تهديدات بضربات عسكرية محتملة على إيران في حال عدم التوصل لتفاهمات، بينما أكدت طهران جاهزيتها للرد على أي هجوم.

يرى الباحث جلو أن إعادة التموضع تمنح القوات الأمريكية حرية أكبر في الدفاع عن نفسها، بعيدًا عن مرمى الاستهداف الإيراني، بينما يرى الباحث علوان أن القواعد الأمريكية دائمًا محصنة ويصعب استهدافها، وأن جميع الأطراف تعلم تبعات مواجهة أمريكا.


قاعدة التنف وتاريخها العسكري
أنشئت قاعدة التنف عام 1991 قبل حرب الخليج الثانية، وأُغلقت بعد انتهاء العمليات العسكرية، ثم أعيد افتتاحها عام 2003 خلال الغزو الأمريكي للعراق كقاعدة لوجستية في محافظتي الأنبار ونينوى. سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" على المعبر في أيار 2015، قبل أن تطرده القوات المدعومة من التحالف في آذار 2016.

بعد ذلك، أصبحت القاعدة مركزًا لتدريب ما عرف بـ"الجيش الحر المعتدل" أو "جيش سوريا الجديد". وتفاوتت تقديرات أعداد الجنود الأمريكيين في القاعدة بين 100 و600 جندي، بينما تقدر القوات الأمريكية في سوريا إجمالًا بنحو 2000 جندي موزعين على عدة قواعد في شمال شرقي البلاد، تشمل الرميلان، روباريا، مبروكة، تل بيدر، الطبقة، صرين، عين عيسى، معمل لافارج، تل سمعان، معسكر مشتى نور، وتل أبيض والشدادي.

سبق إعلان الانسحاب تحركات لوجستية داخل قاعدة الشدادي شملت نقل معدات وآليات، بينما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أيضًا إنهاء مهمة نقل معتقلي تنظيم "الدولة" من السجون السورية إلى العراق، التي بدأت في 21 كانون الثاني الماضي.


الانسحاب.. ما بين الاستراتيجية والأثر المحتمل
اتفق الباحثان علوان وجلو على أن الانسحاب لا ينطوي على مخاطر كبيرة على الوضع الأمني في سوريا، مع الإشارة إلى احتمال محدود لعودة نشاط تنظيم "الدولة"، خاصة وأن الدور الأمريكي في الضربات الجوية سيبقى قائمًا بعد الانسحاب. ويؤكد الباحثان أن القرار يتوافق مع استراتيجية واشنطن طويلة المدى لتقليص الانتشار العسكري والتركيز على التأثير الاستراتيجي بعيدًا عن التواجد الدائم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7