تستعد مقاطعة ألبرتا الكندية، الغنية بالنفط، لاحتمال إجراء استفتاء على الاستقلال هذا العام، في خطوة تعيد إلى الواجهة جدلاً قديماً حول العلاقة بين الغرب الكندي والحكومة الفدرالية في أوتاوا. وبينما يرى دعاة الانفصال أن اللحظة مواتية لإعادة رسم مستقبل المقاطعة، تحذر أطراف سياسية واقتصادية من تداعيات معقدة قد تتجاوز حدود ألبرتا نفسها.
مقاطعة النفط والهوية المحافظة
ألبرتا تُعرف بلقب “تكساس كندا” نظراً لمساحتها الشاسعة وثرواتها النفطية الضخمة وطابعها السياسي المحافظ. تمتد المقاطعة بمحاذاة ولاية مونتانا الأميركية، وتضم احتياطات هائلة من الرمال النفطية التي تجعلها القلب النابض لصناعة الطاقة في البلاد.
تنتج ألبرتا كميات من النفط تفوق بكثير إنتاج بعض الولايات الأميركية الغنية بالطاقة، وهو ما يمنحها وزناً اقتصادياً كبيراً داخل الاتحاد الكندي. غير أن هذا الثقل الاقتصادي ترافق، على مدى سنوات، مع شعور متزايد لدى شريحة من سكانها بأن المقاطعة تتحمل أعباء مالية وتنظيمية لا تتناسب مع تمثيلها السياسي وتأثيرها في صنع القرار الفدرالي.
دعم سياسي من واشنطن
في تطور لافت، أبدى بعض المسؤولين الأميركيين اهتماماً بحراك الاستقلال، ودعوا قادة الحركة لزيارة واشنطن. كما ناقش الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل تنصيبه ملفات تعاون في مجال الطاقة مع رئيسة وزراء ألبرتا دانييل سميث، التي فتحت الباب لاحقاً أمام إمكانية إجراء استفتاء.
ورغم أن البيت الأبيض أكد عدم تقديم أي التزامات أو دعم رسمي، فإن مجرد التواصل أثار قلق الحكومة الكندية، التي تنظر إلى أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية بحساسية بالغة.
بالنسبة لدعاة الاستقلال، يُنظر إلى إدارة ترمب بوصفها شريكاً محتملاً في حال انفصال المقاطعة، خاصة في ظل تقاطع المصالح في قطاع الطاقة وتوجهات السوق الحرة.
حملة توقيعات وحسابات معقدة
يقود الناشط السياسي ميتش سيلفستر حملة الاستفتاء، وقد تمكنت الحركة من جمع أكثر من 177 ألف توقيع، وهو ما يعادل نحو 10% من الناخبين المؤهلين في المقاطعة، ما يفتح الباب أمام تنظيم تصويت محتمل في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
لكن تنظيم الاستفتاء لا يعني ضمان نتيجته. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن نسبة تأييد الاستقلال تدور حول 30%، فيما تضع تقديرات بعض منصات التوقعات احتمالية التصويت بـ“نعم” عند مستويات منخفضة نسبياً. وتتركز المعارضة في المدن الكبرى داخل ألبرتا، حيث المخاوف الاقتصادية والمالية أكثر وضوحاً.
جذور السخط الغربي
الخلاف بين ألبرتا والحكومة الفدرالية ليس وليد اللحظة. فالمقاطعة المحافظة سياسياً طالما أبدت استياءها من سياسات حكومات ليبرالية متعاقبة في أوتاوا، لا سيما ما يتعلق بالضرائب البيئية والقيود التنظيمية على قطاع النفط.
وتتهم حكومة المقاطعة السلطات الفدرالية باتخاذ إجراءات تُضعف قدرتها على تطوير مواردها الطبيعية، في حين ترى أوتاوا أن تلك السياسات ضرورية لتحقيق التوازن البيئي والوفاء بالتزامات المناخ.
هذا التوتر يغذي سردية “الضرائب دون تمثيل كافٍ”، التي يستثمر فيها دعاة الاستقلال لتعزيز خطابهم الشعبي.
معارضة منظمة وتحذيرات اقتصادية
في المقابل، يقود سياسيون محليون حملة مضادة تحت شعار “كنديون للأبد”، مؤكدين أن الاستفتاءات غالباً ما تكون غير قابلة للتنبؤ، لكن المخاطر الاقتصادية للانفصال واضحة.
ويحذر معارضو الاستقلال من أن إنشاء دولة مستقلة سيفرض أعباء ضخمة، من بناء مؤسسات بيروقراطية كاملة إلى إعادة التفاوض على اتفاقيات تجارية، سواء مع بقية كندا أو مع الولايات المتحدة. كما أن مسألة العملة، والدين العام، وتقاسم الأصول الفدرالية، ستطرح تحديات معقدة.
رئيس وزراء ألبرتا السابق جيسون كيني أشار إلى أن الانفصال قد يعرّض المقاطعة لعزلة اقتصادية مؤقتة ويضعف قدرتها التفاوضية، خاصة أن صادراتها تعتمد إلى حد كبير على البنية التحتية العابرة للأقاليم.
ملف السكان الأصليين
تتعقد الصورة أكثر بسبب المعاهدات التاريخية مع السكان الأصليين، إذ تخضع معظم أراضي ألبرتا لاتفاقيات قانونية قائمة مع قبائل محلية. وقد وصف عدد من زعماء السكان الأصليين مساعي الاستقلال بأنها تهديد مباشر لحقوقهم ولمكتسباتهم التاريخية، معتبرين أن أي خطوة أحادية قد تمثل خرقاً لمعاهدات قائمة منذ أجيال.
هذا البعد القانوني قد يفتح الباب أمام نزاعات دستورية طويلة في حال المضي نحو الانفصال.
هل يعاد سيناريو كيبيك؟
تستحضر التطورات الحالية تجربة استفتائي الاستقلال في مقاطعة كيبيك، كان آخرهما عام 1995 عندما خسر الانفصاليون بفارق ضئيل. غير أن السياق مختلف اليوم، إذ تتداخل فيه حسابات الطاقة العالمية، والسياسات البيئية، والعلاقات الكندية الأميركية.
في المحصلة، يبدو أن احتمال استقلال ألبرتا ما يزال ضعيفاً وفق المؤشرات الحالية، لكنه كافٍ لإثارة قلق أوتاوا وإشعال نقاش وطني حول العدالة المالية، وتمثيل الأقاليم، ومستقبل الاتحاد الكندي.
الاستفتاء، إن جرى، لن يكون مجرد تصويت محلي، بل اختباراً لوحدة كندا في زمن تتصاعد فيه النزعات القومية والشعبوية عبر العالم.