كشفت تطورات سياسية متسارعة عن تفاهم أمريكي إسرائيلي على المضي في سياسة ضغوط اقتصادية مشددة ضد إيران، في مسعى لخفض عائداتها النفطية ودفعها إلى تقديم تنازلات في ملفها النووي، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، وسط استعدادات عسكرية تحسباً لأي فشل دبلوماسي.
وبحسب ما يُتداول في الأوساط السياسية بواشنطن، فإن لقاءً جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض شهد توافقاً على الهدف الاستراتيجي المشترك، والمتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مع تباين واضح في تقدير فرص التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران.
استهداف صادرات النفط إلى الصين
يرتكز المسار الأمريكي الجديد على تشديد الخناق على صادرات النفط الإيراني، ولا سيما المتجهة إلى الصين، التي تعد المستورد الأكبر للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على النسبة الأكبر من شحناته. وتفيد تقديرات بأن بكين لا تعترف بالعقوبات الأمريكية، وقد طورت مع طهران آليات تجارية بديلة تعتمد على العملة الصينية وشبكات وسطاء، لتجنب التعامل بالدولار أو المرور عبر النظام المالي الخاضع للرقابة الأمريكية.
ويرى مراقبون أن أي محاولة لخفض تدفق النفط الإيراني إلى الصين ستعني تصعيداً اقتصادياً مباشراً قد ينعكس على العلاقة المتوترة أصلاً بين واشنطن وبكين، خاصة مع اقتراب قمة مرتقبة بين الرئيس الأمريكي ونظيره الصيني في الأشهر المقبلة. ويعتقد بعض الخبراء أن استخدام ورقة النفط في هذا التوقيت يحمل أبعاداً تتجاوز الملف النووي، ليصل إلى موازين القوة في التجارة الدولية وسلاسل الطاقة.
ضغوط اقتصادية ورسوم محتملة
وفي خطوة تعزز هذا التوجه، وقّع الرئيس الأمريكي قبل أيام أمراً تنفيذياً يتيح فرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على الدول التي تربطها تعاملات تجارية مع إيران. ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها رسالة مزدوجة: الأولى إلى طهران بأن سياسة “الضغوط القصوى” عادت بقوة، والثانية إلى الشركاء التجاريين بضرورة إعادة حساباتهم.
ويقول متابعون للشأن الأمريكي إن الإدارة ترى في الضغط الاقتصادي أداة فعالة لدفع إيران نحو تقديم تنازلات أكبر في ملفها النووي، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع مسار تفاوضي واضح المعالم. غير أن هؤلاء يشيرون أيضاً إلى أن الإفراط في استخدام العقوبات قد يدفع طهران إلى مزيد من التشدد أو إلى توسيع نطاق تحالفاتها الاقتصادية خارج الإطار الغربي.
اتفاق على الهدف.. خلاف على الوسيلة
رغم الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن الرؤيتين تختلفان بشأن جدوى التفاوض. فبحسب ما يُتداول في دوائر سياسية، عبّر نتنياهو عن تشككه في إمكانية التوصل إلى اتفاق “جيد وملزم”، معتبراً أن أي تفاهم محتمل قد لا تلتزم به طهران على المدى الطويل.
في المقابل، أبدى الرئيس الأمريكي قناعة بوجود فرصة – ولو ضئيلة – لاختبار المسار التفاوضي، مؤكداً ضرورة المحاولة قبل الانتقال إلى خيارات أكثر حدة. ويعكس هذا التباين اختلافاً في تقدير المخاطر والفرص، إذ تميل إسرائيل إلى الحذر الشديد من أي اتفاق لا يتضمن قيوداً صارمة وآليات رقابة دقيقة، بينما ترى واشنطن أن الجمع بين الضغط والتفاوض قد يحقق اختراقاً.
مشاورات داخلية وموقف “صارم”
وتشير معلومات متداولة إلى أن الرئيس الأمريكي ناقش مع مستشارين بارزين احتمالات التوصل إلى اتفاق مع إيران. وبحسب هذه الأوساط، فإن التقييم العام يميل إلى صعوبة الوصول إلى اتفاق شامل، بالنظر إلى تعقيدات الملف وسوابق الخلافات، إلا أن ثمة مؤشرات توحي بأن طهران تبدي مرونة نسبية في التصريحات الأولية.
وتؤكد التقديرات أن أي مفاوضات مقبلة ستُدار من موقع “صارم”، مع اشتراط ضمانات واضحة وقابلة للتحقق. وفي حال التوصل إلى صيغة مقبولة، فسيُعرض الأمر على القيادة السياسية لاتخاذ القرار النهائي بشأن المضي قدماً أو الانسحاب.
تحركات دبلوماسية في جنيف
في موازاة ذلك، تجري ترتيبات لعقد محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، بوساطة عُمانية، لبحث الملف النووي وجهود التهدئة. وكانت مسقط قد استضافت مؤخراً جولة مباحثات غير مباشرة بين الطرفين، في مؤشر على استمرار قنوات التواصل رغم التصعيد الإعلامي والسياسي.
ويرى محللون أن اختيار جنيف يعكس رغبة في إضفاء طابع تقني ودبلوماسي هادئ على المحادثات، بعيداً عن ضجيج العواصم المتصارعة. إلا أن نجاح هذه الجولة سيظل مرهوناً بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة.
بين الاتهامات والردود
تتهم الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بالسعي إلى تطوير قدرات نووية عسكرية، بينما تؤكد طهران أن برنامجها مخصص لأغراض سلمية، تشمل توليد الكهرباء والاستخدامات البحثية. كما ترى إيران أن الضغوط والعقوبات تهدف إلى إضعافها سياسياً واقتصادياً، متوعدة بالرد على أي استهداف مباشر، ومشددة على ضرورة رفع العقوبات مقابل أي قيود إضافية على برنامجها النووي.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق: إما اختبار فرصة اتفاق جديد قد يعيد ترتيب التوازنات، أو الانزلاق نحو تصعيد اقتصادي وربما أمني أوسع نطاقاً. وبين الضغط والتفاوض، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح سياسة العصا والجزرة في تغيير الحسابات الإيرانية، أم أن المواجهة ستظل الاحتمال الأقرب؟