شهدت سوريا في أواخر عام 2025 ومطلع 2026 موجة من الحملات الإنسانية المحلية التي استهدفت إعادة إعمار المدن المدمرة، ودعم عودة النازحين، وتأهيل البنية التحتية. إلا أن هذه الحملات، التي جُمعت باسمها تبرعات تُقدَّر بنحو 1.06 مليار دولار، لم تحقق حتى الحد الأدنى من الأهداف المعلنة، مما أثار جدلاً واسعًا حول مصداقيتها وشفافيتها.
ورغم الدعاية الواسعة التي صاحبت هذه الحملات، إلا أن الواقع على الأرض كشف عن فجوة كبيرة بين المبالغ المعلنة وما تم صرفه فعليًا، ما جعل العديد من السوريين يشككون في جدوى هذه المبادرات. فقد غاب عن هذه الحملات أي هيكلية تنظيمية واضحة أو آليات متابعة دقيقة، كما لم يتمكن أي طرف مستقل من مراقبة أو محاسبة ما أُنفق فعليًا.
من الحملات الرئيسية التي رُصدت:
“أربعاء حمص”: انطلقت في 13 آب 2025.
“أبشري حوران”: انطلقت في 25 آب 2025.
“دير العز”: بدأت في 11 أيلول 2025.
“ريفنا بيستاهل” في ريف دمشق: حملتان، الأولى في 20 أيلول 2025، والثانية في 5 شباط 2026.
“دير الزور بالقلب”: انطلقت في 15 تشرين الأول 2025.
“الوفاء لإدلب”: بدأت في 26 أيلول 2025.
“فزعة حارم”: انطلقت في 30 أيلول 2025.
“الوفاء لكفرنبل”: بدأت في 23 تشرين الأول 2025.
“أهل الخير” (بانياس وريف جبلة): انطلقت في 5 تشرين الثاني 2025.
“حلب ست الكل”: من 18 كانون الأول 2025 إلى 20 كانون الثاني 2026.
حملة جامعة دمشق لدعم النازحين في إدلب: بدأت في 10 شباط 2026.
ورغم أن هذه الحملات جُمعت تحت شعارات دعم الإعمار وتمويل المشاريع الخدمية، إلا أن أرقام التنفيذ على الأرض كانت منخفضة للغاية، بحسب شهادات عدة مواطنين، الذين أشاروا إلى أن غالبية المبالغ المعلنة لم تُسلم للجهات المستفيدة. بعض المتبرعين اضطرّ إلى تنفيذ مشاريع محددة بأنفسهم وفق ما يروق لهم، ما جعل العملية أقرب إلى مبادرات فردية ذات مصالح شخصية، لا مشاريع وطنية حقيقية.
من بين المشكلات التي أثارت استياء السوريين: مشاركة رجال أعمال مقرّبين من النظام السابق، أعلنوا تبرعات في إطار تسويات مالية مقابل السماح لهم باستئناف أنشطتهم الاقتصادية، وهو ما زاد من شكوك الشارع حول طبيعة هذه الحملات ومصداقيتها.
كما لعب الطابع الاستعراضي للحملات دورًا في تعزيز الشكوك، حيث تحوّل الإعلان عن التبرعات إلى عرض إعلامي يفتقر إلى أي متابعة فعلية أو شفافية مالية. وأكدت اللجان المشرفة على الحملات نفسها لاحقًا أنها لم تتلق سوى جزء ضئيل من الأموال المتعهَّد بها.
تضاعف هذا الوضع تعقيدًا مع مشاركة الحكومة الانتقالية ومسؤوليها الرسميين، بما في ذلك الرئيس الانتقالي، كمتبرعين، ما أثار تساؤلات حول جدوى الحملات ودورها الحقيقي في معالجة الاحتياجات المعيشية للمواطنين، خصوصًا في ظل فشل مؤسسات الدولة في تقديم الحد الأدنى من الخدمات.
الحوادث الأخيرة في مخيمات النازحين بريفي إدلب، حيث غمرت المياه عشرات الخيام وأسفرت عن مقتل وفقدان وإصابة مدنيين ومسعفين، سلطت الضوء على حجم الفجوة بين الحاجة الفعلية للأموال وواقع التنفيذ على الأرض. المشهد يوضح بشكل صارخ أن التبرعات المعلنة لم تُترجم إلى حلول حقيقية، وأن الحكومة الانتقالية غير قادرة على سد الفجوة الخدمية، ما يترك المواطنين عرضة لمعاناة مستمرة.
ويؤكد الواقع أن حملات التبرع، التي صُممت لتكون شعارات إعلامية للاستعراض، لا يمكنها تعويض فشل الدولة في تقديم الخدمات الأساسية أو دعم النازحين، ولا تعوّض عن العجز الحكومي في مشاريع التنمية والبنية التحتية. وفي المقابل، يتزايد القلق الشعبي بشأن استغلال هذه الحملات لأغراض سياسية وتجارية على حساب الصالح العام.
ختامًا، يطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن لحكومة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات، ومؤسساتها المستفيدة من ميزانيات محدودة، أن تكون طرفًا فعالًا في حملات تمويل جماعي للإعمار؟ الواقع يفرض على السوريين إعادة تقييم جدوى هذه المبادرات قبل أن تتحول إلى مجرد مظاهر دعائية لا تغني ولا تُسمن من جوع، على حد تعبير المواطنين.