الذهب اللبناني: سلعة أم ورقة سيادية؟

2026.02.08 - 12:01
Facebook Share
طباعة

 يشكل الذهب اللبناني اليوم قضية تتجاوز كونها مجرد أصل مالي، لتصبح اختباراً حقيقياً لحوكمة الدولة وإدارتها للأزمات. ففي ظل الانهيار المالي الذي شهدته البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية، أصبح السؤال عن مصير الذهب أكثر من مجرد نقاش اقتصادي؛ إنه سؤال عن مدى قدرة المؤسسات اللبنانية على حماية أصولها، وإعادة بناء الثقة المفقودة بين الدولة والمواطنين.

على مدى سنوات، حافظت الدولة على الذهب وكأنه الملاذ الأخير، بينما تدهورت كل المقومات المالية الأخرى: فقد تراكم الدين العام، وانهارت قيمة العملة الوطنية، وجُمّدت الودائع، في حين بقيت المصارف تعتمد على حسابات وهمية بدل رأس مال حقيقي. هذا التردّد في المساس بالذهب يُقدَّم عادة بوصفه "تحوّطاً سيادياً"، لكنه في جوهره نتاج فشل مؤسسي مستمر استنزف الثقة والأصول والضمانات العامة.

لقد استبدلت التأجيلات بالإصلاحات، والانضباط المالي بالهندسة المحاسبية، والملاءة الحقيقية بسرديات تطمين. وعندما أصبح الواقع المالي لا يحتمل الإنكار، لم تُعترف الخسائر ولم تُعالج، بل جرى ترحيلها وإخفاؤها. النتيجة لم تكن مجرد أزمة مالية، بل انهياراً في المصداقية: ودائع المواطنين جُمّدت بدل أن تُعاد هيكلتها، والعملة الوطنية تدهورت بدل أن تُصحح، والثقة العامة استُهلكت بدل أن تُستعاد.

في هذا السياق، بدا الذهب وكأنه الأصل الوحيد الذي لم تُمدّ إليه يد العبث. لكن الأمر ليس علامة على الرشد المالي، بل انعكاس للشلل السياسي، الذي منع السلطة من اتخاذ قرارات سريعة يمكن أن تضر بالأصل الأخير. لذلك، لا يمكن الفصل بين سؤال "هل نبيع الذهب؟" وبين سؤال "من أهدر كل ما سواه؟". الامتناع عن بيع الذهب اليوم يعكس الخوف من تكرار الأخطاء، لا الثقة بالحكم الراشد.

للحفاظ على قيمة الذهب، هناك ثلاثة شروط أساسية يجب أن تتحقق معاً:

الاعتراف الصريح بالخسائر وتوزيعها قانونياً: لا يمكن استخدام الذهب كتعويض وهمي عن انهيار مؤسسات الدولة المالية.

تحصين عائداته قانونياً: أي استخدام تقديري لعائدات الذهب من دون ضوابط واضحة يعرض الأصل للخطر.

ربط أي استثمار أو بيع بنتائج بنيوية قابلة للتحقق: يجب أن يكون الذهب أداة للنهوض بالاقتصاد والبنية المؤسسية، لا مجرد تلبية حاجات تمويلية قصيرة الأجل.

صحيح أن بيع الذهب في ظل الواقع الحالي قد يبدو خطوة محفوفة بالمخاطر، لكن الإبقاء عليه بلا حدود زمنية ليس خياراً بلا تكلفة. فكلما طال الشلل المؤسسي، تراجعت قدرة الدولة على تحويل الأصول إلى نفوذ تفاوضي أو مصداقية، وقلّت فرص استخدام الذهب كأداة استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد.

بمرور الوقت، تحول الذهب إلى ملاذ سياسي، يسمح للسلطة بالإيحاء بالحذر، من دون مواجهة الاستحقاق الأصعب: إعادة بناء الحوكمة والمؤسسات. وهكذا أصبح الذهب بديلاً عن القرار الحقيقي، وليس أداة لحل الأزمة. الخطر الحقيقي ليس بيعه اليوم، بل تأجيل اتخاذ القرار إلى سنوات لاحقة، في ظل ظروف أسوأ وقدرة تفاوضية أضعف، مع استمرار تآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة، ما يجعل الاحتفاظ بالذهب بلا جدوى فعلية.

من المهم التأكيد على أن الذهب ليس مجرد سلعة، بل هو اختبار حقيقي لحوكمة الدولة. والتحدّي لا يكمن في تقرير مصيره وحده، بل في إعادة بناء المؤسسات التي تجعل لهذا القرار معنى. بدون إصلاحات عميقة وإطار مؤسساتي واضح، يبقى الذهب في لبنان مجرد ورقة مالية محمية بالشلل السياسي، لا أداة سيادية حقيقية.

في النهاية، السؤال الأساسي لم يعد "هل نبيع الذهب؟"، بل "هل يمكننا إعادة بناء دولة تستحق هذا الذهب؟" فالذهب لن يحافظ على قيمته إلا إذا تم استعادته في إطار دولة تتمتع بالشفافية والحوكمة الرشيدة. وإلا، فإن أي خطوة قد تتحول إلى استنزاف إضافي، بدلاً من كونها فرصة حقيقية للخروج من الأزمة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10