المعادن النادرة بين الصين والتحالف الغربي

2026.02.08 - 10:54
Facebook Share
طباعة

 
شهدت واشنطن الأربعاء الماضي اجتماعًا وزاريًا دوليًا ضم 55 دولة لمناقشة مستقبل سلاسل إمداد المعادن النادرة، في خطوة تؤكد انتقال الملف من كونه قضية صناعية إلى عامل استراتيجي في الاستقرار الاقتصادي العالمي.

لم يعد النقاش يقتصر على حجم الإنتاج أو تنويع المناجم، بل أصبح يركز على كيفية إدارة السوق نفسها، وتقليل المخاطر المرتبطة بتركّز القدرات الصناعية في حلقات محددة من سلسلة القيمة. واعتبرت الدول المشاركة المعادن النادرة مدخلات حيوية للطاقة المتجددة، النقل الكهربائي، الصناعات الرقمية، والتطبيقات الدفاعية.


التركز الصناعي وأسبابه
تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن حصة أكبر ثلاث دول في تكرير المعادن الاستراتيجية ارتفعت من 82% عام 2020 إلى 86% في 2024، مع بقاء الصين اللاعب الأكبر ضمن هذه المجموعة. ويرتبط هذا التركز بعدة عوامل بنيوية، من بينها الكفاءة الصناعية، انخفاض تكاليف الإنتاج، تراكم الخبرات التقنية، وتكامل البنية التحتية، وليس بالضرورة سياسات أحادية الجانب.

ويؤكد خبراء أن التحركات الأخيرة تهدف إلى إعادة توزيع المخاطر داخل نظام اقتصادي مترابط، أكثر من كونها مواجهة مباشرة مع الصين، وهو منظور يتوافق مع قراءات المؤسسات الدولية حول التشابك في سلاسل القيمة العالمية.


كفاءة التسعير واستقرار الاستثمار
ناقش الاجتماع الوزاري مفهوم "الأسعار المرجعية" للمعادن النادرة، بهدف تقليل تقلبات الأسعار التي تعيق الاستثمار طويل الأجل. ويرى بعض صناع القرار أن هذه الآلية تمنح المستثمرين رؤية واضحة للعائد المتوقع، خاصة في قطاع يتطلب استثمارات رأسمالية بمليارات الدولارات وفترات تطوير طويلة.

وتواجه المشاريع خارج الصين صعوبة في جذب التمويل عندما تنخفض الأسعار فجأة، مما يؤدي إلى توقف المشاريع قبل الإنتاج التجاري. وفي المقابل، قد تنتج الأسعار المنخفضة أيضًا عن وفورات الحجم، كفاءة سلاسل الإمداد، أو انخفاض تكاليف الطاقة، وهي عوامل بنيوية تحدد الفارق بين الدول في الصناعات الاستخراجية والتحويلية.


مركز الثقل الصناعي
تركز حلقات القيمة العليا – الفصل الكيميائي، التكرير، إنتاج السبائك، وتصنيع المغناطيسات – على مركز النفوذ الحقيقي للصناعة. هذه المراحل تتطلب تقنيات متخصصة واستثمارات رأسمالية كثيفة، وامتثالًا بيئيًا صارمًا.

وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن الصين تسيطر على نحو 85–90% من قدرات تكرير عناصر الأرض النادرة عالميًا، بينما تتجاوز حصتها في العناصر الثقيلة 95%، ما يعكس تفوقًا صناعيًا طويل الأمد. وتشير التحليلات إلى أن القدرات الجديدة المخطط لها خارج الصين لا تزال محدودة مقارنة بالطلب المتوقع، ما يعني أن إعادة التوازن ستستغرق سنوات حتى مع دعم سياسات صناعية قوية.


التشابك والاعتماد المتبادل
البيانات التجارية تظهر اعتمادًا متبادلًا عالي الكثافة: تعتمد أمريكا وأوروبا واليابان على الصين في مدخلات وسيطة، بينما تعتمد الصين على الأسواق المتقدمة لتصريف المنتجات النهائية ذات القيمة المضافة. وبلغت قيمة واردات أمريكا من المركبات وعناصر الأرض النادرة نحو 170 مليون دولار في 2024، منها 70% صينية.

هذا التشابك يجعل الانفصال الكامل اقتصاديًا غير مرجح، رغم احتمالات التوتر في العلاقات التجارية. وفي الوقت نفسه، تظل الأسعار عرضة للضغوط العالمية، مع توقعات بتراجع الأسعار خلال 2025–2026، ما قد يضعف الجدوى المالية للمشاريع الجديدة.


سيناريوهات المسار المستقبلي
يمكن أن تتجه سوق المعادن النادرة نحو ثلاثة مسارات مترابطة:
تنويع مُدار: بناء قدرات معالجة جديدة خارج الصين تدريجيًا، مع الحفاظ على الترابط التجاري.
تقلبات متزايدة: ارتفاع القيود التنظيمية وزيادة عدم اليقين، مع تذبذب الأسعار.
تنسيق دولي موسع: تطوير آليات شفافية وتعاون لتقليل مخاطر الصدمات.

وتعتمد النتيجة على توازن المصالح الاقتصادية، سرعة تنفيذ المشاريع، وقدرة الدول على إدارة التنافس ضمن أطر مؤسسية.


خلاصة
سوق المعادن النادرة تتحول من سلعة تقليدية إلى موارد استراتيجية عالية الحساسية. التحولات الحالية لا تشير إلى صراع صفري بين الصين والغرب، بل إلى إعادة ضبط التوازنات العالمية ضمن شبكة مترابطة، حيث يبقى التعاون الدولي وإدارة المخاطر عاملين أساسيين لاستقرار السوق والنمو الصناعي المستقبلي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 10